من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٨ - كل قد علم صلاته وتسبيحه
وما إلى ذلك تهدي الإنسان إلى سر الحياة.
وهكذا التحولات الاجتماعية والسياسية الكبيرة، كنشوب الحروب وسقوط دول وقيام أخرى، تعكس سنن الله في المجتمع، لأن قوانين الحياة وأنظمتها إنما تكتشف في هذه اللحظات، فهل يعرف المنظرون السياسيون القوانين التي تحكم عالم السياسة إلا من خلال الأحداث والتحولات الهامة؟.
ينزل المطر، وتدب الحياة إلى الأرض الجرداء فتخضر، وتغنى الطبيعة على أديمها وتنشط فيها الدواب و الطيور. إن هذه التحولات تفيض معاني جديدة على القلوب الطاهرة. فتسبح ربها وتكبره.
وحين يعلم الإنسان زخارف الحياة ومباهجها تتغير باستمرار، فلا ملك يدوم ولا ثروة تبقى ولا جاه يستمر فيها، آنئذ لا يطمئن إليها، بل يطمئن إلى الحي الذي لا يموت، فلو عقل الملك زوال الحكم، والغني زوال الثروة، لما استبد أو بخل، ولما استكانت نفسه أو اطمأنت إلا إلى خالقه، الحق الذي لا يتغير.
وهكذا يذكرنا الرب بسبحات الخلائق فيقول أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ تسبح بحمد الله، وهذه الآية تدل على أن كل مخلوق قادر على التسبيح، وإنما وصف الله غير ذوي العقول بوصف ذوي العقول، ليدلنا على أن لكل حي شعور بقدره يسبح به ربه قال تعالى وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء: ٤٤].
إن رهافة سمع أولي الأبصار تجعلهم يسمعون تسبيح كل حي في السماوات والأرض، لأنهم يتجاوزون المظهر إلى اللب، ويعبرون الدلالات إلى الحق والشواهد إلى الغيب، فبالنسبة إليهم لا تعني حركة الأسماك في البحار، ولا صراع الوحوش في الغابات، ولا رفرفة الطيور في الفضاء، مجرد نشاط عابث من أجل البقاء، إنما فيه أيضاً محتوى رباني، وأبعاد فوق مادية، إنه تسبيح وصلاة وسعي نحو الأعلى.
كيف لا يسبح ذلك القلب الزكي الذي لا يلتفت إلى حي حتى يسمع منه التسبيح، ويرى منه الصلاة والتبتل و إذا وجد بلاء يصيب واحدا من الأحياء عرف إنما أصيب لأنه نسي ذكر الله.
جاء في رواية عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال
«مَا مِنْ طَيْرٍ يُصَادُ فِي بَرٍّ وَلَا بَحْرٍ وَلَا