من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٥ - ولا تطيعوا أمر المسرفين
فلا تحسبوا أن النعم والأمن تدوم لكم، وأنتم مخلدون فيهما، فقد يأخذكم عذاب بئيس، فلا تستطيعون صرفا ولا نصرا.
[١٤٩] وكذلك لا يأخذكم الغرور بقوتكم لأنكم تبنون لكم بيوتا فارهة، غاية في القوة والمتانة والإبداع وَتَنْحِتُونَ مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ لقد بلغت حضارة ثمود مبلغا من التقدم، حيث اهتموا بالزراعة، كما اهتموا ببناء المصائف والمدن الجبلية، وقد وصف الله بيوتهم التي ينحتونها بأنها فارهة، وهذه ليست من عادة المناطق الجبلية، وإنما يبنون الواسع من البيوت في سفوح الجبال لأنهم استكبروا في الأرض.
[١٥٠- ١٥١] فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ للإسراف أبعاد: إما في المال، أو في الظلم، أو في المعاصي، وهذا يؤكد أنه كان في قوم ثمود كثير من الطواغيت المتكبرين.
والملاحظة الأخرى أن الطبقية كانت منتشرة فيهم، إذ قال نبيهم صالح عليه السلام لهم وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ حيث يبدو أن هذه الطبقة أضحت طائفة خطيرة تزحف نحو القيادة.
وقال لهم نبيهم صالح عليه السلام أطيعوني، ولا تطيعوا أمر المسرفين، وقد سبق طاعته بتقوى الله وقال فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ لكي يبرر طاعته للناس بأن طاعته امتداد لطاعة الله.
ويبدو أن جوهر الفساد، أو العامل الرئيسي له هو الإسراف، فإذا زادت النعمة على الإنسان أسرف في تلك التي أعطاها الله إياها، وبالتالي جعلها مادة لفساده، فقد يعطي الله إنسانا نعمة الجمال فيفسد بها، أو نعمة الجنس فيفسد بها، أو نعمة المال والولد فيتجبر بهما ويطغى على من هو دونه ... وهكذا.
فبدل أن يصل بهذه النعم إلى رضوان الله، وإصلاح المجتمع، وعمارة الأرض، إذا به يصل إلى عبادة ذاته، وبالتالي الإفساد في الأرض.
إن الله يرزقنا النعم كي نستفيد منها في عمارة الأرض، والبلوغ إلى جنانه ومرضاته- سبحانه- فقد رزقنا الله اليد لنأخذ بها حقنا لا أن نبطش بها، والعين لنبصر بها لا أن ننظر إلى الحرام، واللسان كي نسمع الناس الحكمة لا أن نتطاول به بالغيبة والبهتان والسباب ... وهكذا.
وفي يوم القيامة يحتج الله على العباد، فيأتي بيوسف حجة لمن فسد بجماله، وبمريم لمن باعت نفسها، وبأيوب لمن لم يصبر عند البلاء.