من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٨ - بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون
تَعْبُدُونَ إن إبراهيم يتحدى أولًا أباه، الذي لم يكن والده إنما كان عمه آزر الذي تبناه، ولعل السبب يتلخص في أمرين
أولًا: أن أباه كان هو المسؤول المباشر عنه، والذي كان ينفذ عليه تعاليم مجتمعه، ومن خلاله كان يتعرض إبراهيم لضغط المجتمع الفاسد، و دفعه باتجاه عبادة الأصنام.
ثانياً: أن إبراهيم كان في مجتمع رجعي يقلد الآباء، ولذلك كان ينبغي أن يبدأ تحديه لهم حتى يصبح قدوة لكل من يعيش في مثل هذا المجتمع المتخلف.
[٧١] لقد اعترفوا بفسادهم، وأنهم إنما يعبدون أصناما لا تضر ولا تنفع.
قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ نصلي لها، ونديم عبادتها، ولعل هذا التعبير يوحي بأنهم كانوا في شك من جدوائية عبادتهم لها، وإنما مضوا عليها اقتداء بالسابقين.
[٧٢] إن نظام الحياة قائم على النفع والضر، وإن فطرة الإنسان تهديه إلى الرب في أوقات الشدة وعند الحاجة، وهكذا سألهم إبراهيم: هل تستجيب هذه الأصنام عند الشدة، حيث ينقطع رجاء الإنسان من الوسائل المتاحة له (كما يستجيب الرب سبحانه) أو هل تنفع أو تضر في الأوقات العادية؟!.
قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ في حالة الشدة تتساقط الأوهام، ويتعلق القلب بالخالق فلا يدعو غيره، و هذا أكبر برهان على بطلان عبادة الأصنام.
[٧٣] أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ هكذا ألقى إبراهيم حجرا كبيرا في محيط قلوبهم الراكد، وأحدث فيها أمواجا متلاحقة من الشك، والواقع: أن زرع الشك في القلب بالنسبة إلى الوضع الفاسد خصوصا عند أولئك الجامدين يعتبر أكبر إنجاز.
ففي حوار بين طبيب هندي ملحد، والإمام الصادق عليه السلام يلقي الإمام الشك في روعه فيما يتعلق بعقائد الطبيب الفاسدة، فيقول: لا أدري لعل في بعض ما ذكرت مدبرا، وما أدري لعله ليس في شيء من ذلك؟.
فيقول له الإمام
«أَمَّا إِذْ خَرَجْتَ مِنْ حَدِّ الْإِنْكَارِ إِلَى مَنْزِلَةِ الشَّكِّ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَخْرُجَ إِلَى الْمَعْرِفَةِ» [١].
[٧٤] ولم يملك القوم حجة، فأحالوا القضية إلى التراث الذي هو آفة المتدينين، حيث
[١] بحار الأنوار: ج ٣ ص ١٥٥.