من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨ - الأسرة سور الفضيلة
على أن هذه العقوبة الشديدة سوف تختص واقعيا بالذين يستهترون الحدود الشرعية، وبآداب العرف العام، دعنا نقرأ النصوص التي تبين أحكام الشهادة على الزنا
عن أبي بصير عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام
«لَا يُرْجَمُ الرَّجُلُ وَ الْمَرْأَةُ حَتَّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمَا أَرْبَعَةُ شُهَدَاءَ عَلَى الْجِمَاعِ وَ الْإِيلَاجِ وَ الْإِدْخَالِ كَالْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ» [١].
وعن حكمة اشتراط الشهود الأربعة، يروي أبو حنيفة إمام المذهب الحنفي عن الإمام الصادق عليه السلام، فيقول قلت له: (أَيُّهُمَا أَشَدُّ الزِّنَا أَمِ الْقَتْلُ؟. فَقَالَ عليه السلام
الْقَتْلُ.
قَالَ (أبو حنيفة) قُلْتُ: فَمَا بَالُ الْقَتْلِ جَازَ فِيهِ شَاهِدَانِ، وَلَا يَجُوزُ فِي الزِّنَا إِلَّا أَرْبَعَةٌ؟ إِلَى أَنْ قَالَ فَقَالَ عليه السلام
الزِّنَا فِيهِ حَدَّانِ وَلَا يَجُوزُ إِلَّا أَنْ يَشْهَدَا كُلُّ اثْنَيْنِ عَلَى وَاحِدٍ لِأَنَّ الرَّجُلَ وَالمَرْأَةَ جَمِيعاً عَلَيْهِمَا الحَدُّ وَالْقَتْلُ إِنَّمَا يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الْقَاتِلِ وَ يُدْفَعُ عَنِ الْمَقْتُولِ» [٢].
وإنما يقصد الإسلام من هذا التشدد في مسألة الشهادة على الزنا، المحافظة على الحياة الأسرية في المجتمع من التفتت، والانهيار. وكما أن الزنا من أشد عوامل انهيار الأسرة فإن الاتهام به يؤدي إلى ذات النتيجة تقريبا، إذ إنه من الجرائم التي يمكن الاتهام بها سريعا، وهي تدغدغ غرائز الناس خصوصا المعقدين جنسيا، وليست مثل جريمة القتل وغيرها، لذلك شدد الإسلام على العقوبة من جهة، وعلى الشهادة من جهة أخرى، وكلا الأمرين يهدفان إلى شيء واحد هو صيانة الأسرة، والمحافظة على العفة والشرف في الحياة الاجتماعية.
وقد اعتبر القرآن من يقذفون المحصنات بالزنا، دون الإتيان بأربعة شهود بأنهم فاسقون، لأنهم بعملهم هذا يوجهون أكبر ضربة لشرف المجتمع، الذي جاءت الأديان السماوية لإصلاحه، وإحكام بنائه.
[٥] إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
ليس جديدا على من يقرأ القرآن، أن يلحظ لحوق كلمة الإصلاح بالتوبة، فكثيرا ما تكرر ذلك في مواضع مختلفة من القرآن الكريم ذاته، ذلك لأن شرط قبول التوبة أن يصلح الإنسان ما أفسده بذنوبه، والله سبحانه يؤكد لفئة التائبين، بأن مغفرته ورحمته سوف تشملهم إن هم رجعوا إلى طريق الحق بعد الانحراف، وتداركوا ما فاتهم بالجهد المخلص والعمل البناء، وإصلاح ما أفسدوه بذنوبهم، فإذا اتهموا المحصنات بالفاحشة وسقط شرفهن بذلك، وجب عليهم الإعلان عن كذبهم، والاستعداد لإجراء الحد عليهم، لإعادة الاعتبار إليهن، فقد قال
[١] الكافي: ج ٧ ص ١٨٤.
[٢] الكافي: ج ٧ ص ٤٠٤.