من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٣ - وجعلنا بعضكم لبعض فتنة
كنزا أو جنة، وأنه ليس رجلا من القريتين عظيم.
ذلك أن أساس هذا التبرير هو الاتكال على القيم المادية، غافلين عن أنها تتلاشى ولا تغني عنهم شيئا يوم يكونون بأشد الحاجة إليها في الآخرة، بل حتى في الدنيا إذا كشف عنها غطاء الغرور بدت خاوية زاهقة.
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ وهذا السؤال موجه إلى كل من يساهم في إضلال الناس، كالقلم المأجور، والسلطان الظالم، ووعاظ السلاطين. ويبدو أن الانتماء إلى القيادة الجاهلية كان من عوامل الكفر بالرسول، الذي هو القائد الحق الذي يقدمه القرآن بديلا عن القيادات الضالة، ولذلك نبه الذكر إلى ضرورة التخلص منها، ومن الولاءات الجاهلية تمهيدا للإيمان بالوحي.
[١٨] قَالُوا سُبْحَانَكَ أنت المسبح والمقدس عن أي شريك. مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ فنحن بدورنا عبيد لك أيضاً، فكيف نكون آلهة.
ثم بين الذكر الحكيم العامل الحقيقي للشرك والانتماءات الجاهلية، فقال وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ أنت الذي فتنتهم بالنعم حتى نسوا الذكر.
وَكَانُوا قَوْماً بُوراً أي هالكين، والأراضي البوار هي التي لا تصلح لشيء من الزراعة.
[١٩] إن الطغاة المؤلهين من دون الله، يدركون أنهم ليسوا آلهة فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً للعذاب عن أنفسهم أو عمن عبدوهم.
وَلا نَصْراً ولا ينصرونهم من دون الله.
وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً
وإذا لم يساهم الإنسان في تسخير الناس لعبادته، بل عبدوه بجهلهم، فليس عليه شيء، كالنبي عيسى بن مريم عليه السلام، الذي اتخذه النصارى إلها من دون الله، بينما سيكون أول المتبرئين من عملهم يوم القيامة.
[٢٠] ويواصل السياق تزييف تبريرات الكافرين بالرسالة بعد نسف أساسها آنفا، حيث يبطل هنا قولهم: كيف نتبع رسولا يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق.
أولًا: بأن تلك سنة الله التي مضت في الأولين، إذ لم يبعث الله رسولا إلا وهو يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق.