من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٢ - بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون
أو الحيوان نسلب روحه. إنه يتحول إلى كتلة لحم تتعفن بمرور الأيام، فالحركة الرسالية يجب أن تكون من الله، وإلى الله، وبالله، وفي سبيل الله، وليس من الله إلى غيره، أو من غيره تعالى إليه.
وحينما تتخلى أمة عن الوحي تضحي كبني إسرائيل، الذين كانوا حركة رسالية، فتحولوا إلى حركة مادية بحتة أما المسلمون فقد تقدموا لما اتصلوا بالرسالة، ولما تركوا الرسالة سلب منهم كل شيء.
بينات من الآيات
اذهبا إلى فرعون إنه طغى
[٣١] لقد زود ربنا سبحانه، نبيه موسى بآيتين عظيمتين هما: العصا التي إذا ألقاها صارت حية تسعى، وإذا أخرج يده من جيبه، فإذا هي بيضاء للناظرين وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ لأن موسى لا زال يحتفظ بخاصيته البشرية، فهو لا يزال وسيبقى بشراً، يملك من العواطف والمشاعر ما يملكه الآخرون، وهذا دليل على أن الأنبياء لا يتحولون بالوحي إلى آلهة، وأن الوحي ليس من عند أنفسهم، بل هو مسؤولية إلهية إلى من يختاره الله.
وكثيرا ما يوحي الله إلى أنبيائه ليقولوا هذه الحقيقة للناس صراحة، كما قال سبحانه قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [الكهف: ١١٠].
لذلك ولى موسى فراراً، ولم يلتفت خلفه لما رأى الجان وهو- كما يقول البعض- الحية الصغيرة المتحركة.
ولعل العصا صارت جاناً في تلك المرة، أما في المرات التالية فقد صارت ثعباناً مبينا.
يَا مُوسَى أَقْبِلْ أنت الذي يراد لك أن تحمل رسالة الله، يجب أن تكون مقداما لا تخاف، وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنْ الآمِنِينَ؛ فهذا هو أول الطريق، وأمامك صعوبات ومشاكل، فسكن قلب موسى من هذا النداء الرباني، وتشجع فأخذ الحية فإذا هي عصا كما كانت.
[٣٢] و تواصل النداء الإلهي اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنْ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ والفسق هو الخروج عن الخط الصحيح نحو الانحراف.