من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤١ - بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون
ثم يبلغونه للناس دون زيادة أو نقصان، وهذه اللحظة لا تتكرر كثيرا في حياة البشر، إلا وفق حكمة الله البالغة، وقد تحققت لأمة بني إسرائيل عندما كلم الله نبيه موسى عليه السلام في طور سيناء، كما تحققت للأمة الإسلامية في ليلة القدر، حينما نزل القرآن كله على قلب نبي الله الكريم محمد صلى الله عليه واله ولعظمة هذه اللحظة كانت ليلة القدر خيراً من ألف شهر.
لقد كلم الله نبيه موسى تكليما، ولكنه أجل من أن يكون له لسان، إنما يخلق الصوت خلقا وبذلك تغيرت صفحة الحياة، وبدأت المسيرة الحقيقية لبناء الأمة المؤمنة.
ولقد زود الله نبيه موسى عليه السلام بآيتين عظيمتين هما العصا، ويده التي تصير بيضاء حينما يضمها إلى جيبه، ثم أمره بالتوجه إلى رأس الفساد والانحراف في المجتمع وهو الطاغوت، وذلك أن من خصائص الرسالات الإلهية عبر التاريخ أنها شجاعة مقدامة، لهذا نجد موسى حينما يأمره الله بالتوجه إلى قلب الكفر يفعل ذلك ويترك العمل السري دون أن يخشى من فرعون، ولماذا يهاب أحدا وقد اتصل بالوحي وبخالق الكون كله؟!.
وفي مقابل موسى يقف فرعون وهو تركيز لشتى أنواع الفساد، إنسان ظالم، تحوطه الأهواء والشهوات والكبرياء المزيفة، و بالطبع لا يمكن أن يتخلى عن ذلك كله في لحظة واحدة، ويتجه إلى عبادة الله، ويسلم لقيادة رسوله، إلا إن موسى يبقى ثابتا أمام ذلك، واثقا من لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ وأنهم مهما فعلوا، ومهما استمروا، وتشبثوا بأسباب القوة فإن عاقبتهم الخسران.
إن العبر التي نستوحيها من هذا الدرس كثيرة، وتنفعنا في حياتنا ونحن ندعو إلى الله، ولكن أبرزها أن يعرف الفرد الرسالي بأن النقطة المحورية لتحركه هو تقربه من الله، فليدع وليعمل وليعارض ولكن انطلاقا من هذه النقطة وانتهاء إليها.
هل رأيت المحارب ينطلق من خندقه، ثم يعود إليه ليغير سلاحه، ويحكم خطته، ثم يهجم مرة أخرى؟ كذلك المؤمن يواجه السلبيات والمشاكل و التحديات، فيضعف سلاحه، وينفذ زاده، وتتعب نفسه فيعود إلى خندقه ليجبر ضعفه، ويحمل زاده، ويستعيد نشاطه، ولكنه أين هو خندق المؤمن؟ إنه المحراب يقف فيه للصلاة، والقرآن يستوحي منه خطط العمل و التحرك، والصوم يشد به أزره، والتبتل يستفيد منه العزم والإرادة و الإصرار عبر اتصاله بالله.
إنا لو فصلنا الحركة الرسالية عن الروحيات (الصلاة، والصوم، تلاوة القرآن، الإيمان بالغيب و ...) فإنها تصبح كأية حركة مادية أخرى لا قيمة لها، كما الإنسان لو أخذنا منه عقله،