من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٠ - رب نجني من القوم الظالمين
وَقَالُوا: إِنَّ خِرْبِيلَ يَدْعُو إِلَى مُخَالَفَتِكَ وَيُعِينُ أَعْدَاءَكَ عَلَى مُضَادَّتِكَ، فَقَالَ لَهُمْ فِرْعَوْنُ ابْنُ عَمِّي وَخَلِيفَتِي عَلَى مُلْكِي وَوَلِيُّ عَهْدِي: إِنْ فَعَلَ مَا قُلْتُمْ فَقَدِ اسْتَحَقَّ الْعَذَابَ عَلَى كُفْرِهِ لِنِعْمَتِي وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَيْهِ كَاذِبِينَ قَدِ اسْتَحْقَقْتُمْ أَشَدَّ الْعِقَابِ لِإِيثَارِكُمُ الدُّخُولَ فِي مَسَاءَتِهِ. فَجَاءَ بِخِرْبِيلَ وَجَاءَ بِهِمْ فَكَاشَفُوهُ وَقَالُوا: أَنْتَ تَكْفُرُ رُبُوبِيَّةَ فِرْعَوْنَ الْملِكِ وَتَكْفُرُ نَعْمَاءَهُ.
فَقَالَ خِرْبِيلُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ هَلْ جَرَّبْتَ عَلَيَّ كَذِباً قَطُّ؟. قَالَ: لَا فَسَلْهُمْ مَنْ رَبُّهُمْ؟!. قَالُوا: فِرْعَوْنُ. قَالَ لَهُمْ: وَمَنْ خَالِقُكُمْ؟. قَالُوا: فِرْعَوْنُ هَذَا. قَالَ: وَمَنْ رَازِقُكُمُ الْكَافِلُ لِمَعَايِشِكُمْ وَالدَّافِعُ عَنْكُمْ مَكَارِهَكُمْ؟. قَالُوا: فِرْعَوْنُ هَذَا. قَالَ خِرْبِيلُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ فَأُشْهِدُكَ وَمَنْ حَضَرَكَ أَنَّ رَبَّهُمْ هُوَ رَبِّي وَخَالِقَهُمْ هُوَ خَالِقِي وَرَازِقَهُمْ هُوَ رَازِقِي وَمُصْلِحَ مَعَايِشِهِمْ هُوَ مُصْلِحُ مَعَايِشِي لَا رَبَّ لِي وَلَا خَالِقَ وَلَا رَازِقَ غَيْرُ رَبِّهِمْ وَخَالِقِهِمْ وَرَازِقِهِمْ وَأُشْهِدُكَ وَمَنْ حَضَرَكَ أَنَّ كُلَّ رَبٍّ وَخَالِقٍ وَرَازِقٍ سِوَى رَبِّهِمْ وَخَالِقِهِمْ وَرَازِقِهِمْ فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْهُ وَمِنْ رُبُوبِيَّتِهِ وَكَافِرٌ بِإِلَهِيَّتِهِ.
يَقُولُ خِرْبِيلُ: هَذَا. وَهُوَ يَعْنِي أَنَّ رَبَّهُمْ هُوَ اللهُ رَبِّي وَلَمْ يَقُلْ إِنَّ الَّذِي قَالُوا: هُمْ إِنَّهُ رَبُّهُمْ هُوَ رَبِّي وَخَفِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَلَى فِرْعَوْنَ وَمَنْ حَضَرَهُ وَتَوَهَّمُوا أَنَّهُ يَقُولُ: فِرْعَوْنُ رَبِّي وَخَالِقِي وَرَازِقِي فَقَالَ لَهُمْ: يَا رِجَالَ السَّوْءِ وَيَا طُلَّابَ الْفَسَادِ فِي مُلْكِي وَمُرِيدِي الْفِتْنَةِ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ عَمِّي وَهُوَ عَضُدِي أَنْتُمُ المُسْتَحِقُّونَ لِعَذَابِي لِإِرَادَتِكُمْ فَسَادَ أَمْرِي وَإِهْلَاكَ ابْنِ عَمِّي وَالْفَتَّ فِي عَضُدِي.
ثُمَّ أَمَرَ بِالْأَوْتَادِ فَجُعِلَ فِي سَاقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَتِدٌ وَفِي صَدْرِهِ وَتِدٌ وَأَمَرَ أَصْحَابَ أَمْشَاطِ الْحَدِيدِ فَشَقُّوا بِهَا لَحْمَهُمْ مِنْ أَبْدَانِهِمْ فَذَلِكَ مَا قَالَ اللهُ
فَوَقَاهُ اللَّهُ- يَعْنِي خِرْبِيلَ- سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا- لمَّا وَشَوْا إِلَى فِرْعَوْنَ لِيُهْلِكُوهُ- وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ
وَهُمُ الَّذِينَ وَشَوْا لِخِرْبِيلَ إِلَيْهِ لَمَّا أَوْتَدَ فِيهِمُ الْأَوْتَادَ وَ مَشَطَ عَنْ أَبْدَانِهِمْ لُحُومَهُمْ بِالْأَمْشَاطِ» [١].
وقد تقتضي المصلحة أحيانا أن لا يعيش الفرد الرسالي مع المحرومين في مكان واحد، بل يبحث له عن بيت سعيد، يميل إلى الرفاه من أجل إخفاء شخصه، ولكن لا ينبغي أن ينعكس ذلك على إيمانه وشخصيته الحقيقية أبدا.
والرسالي الذي يمارس هذا الدور يجب أن لا يظهر ارتباطه بالحركة أو القيادة الرسالية حتى لا يفتضح أمره، والقرآن يعبر عن مجيء الرجل من أقصى المدينة بالسعي، وهو الإسراع، وقد جاء مسرعا وذلك حتى يتدارك الأمر قبل أن يقع موسى في يد السلطة من جهة، وحتى يسبق جلاوزة النظام للمكان، وبالتالي لا يرى وهو يؤدي واجبه الرسالي، حيث لا يقول ربنا سبحانه: يركض أو يسرع. هذا من جهة، ومن جهة أخرى لم تكن سرعته بالشكل الذي يلفت
[١] بحارالأنوار: ٧٢، ص ٤٠١.