من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٨ - فلن أكون ظهيرا للمجرمين
يستجيبون لاقتراح أخته بأن تدلهم على مرضعة يقبلها هي أمه.
وفعلا تحركت أخته لتخبر أمها بالأمر، وجاءت أم موسى عليه السلام صابرة متجلدة، وملتزمة بكامل السرية، فارتضع موسى منها، وعاد إليها سالما كما وعد الله، والدرس الذي نستفيده من هذا الحدث هو: إن الرساليين لو صبروا والتزموا بالمنهج السليم، الذي يرسمه لهم الله عبر آياته ووحيه، وهدى عقولهم فإن الله سينصرهم كما وعد، ومن أصدق من الله قيلا؟!.
وفي آخر الدرس نجد صورة من الصراع بين المستضعفين و المستكبرين.
بينات من الآيات
فرددناه إلى أمه
[١٠] وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً أفرغته من كل اهتمام وانصب تفكيرها على مصير ولدها الصغير، وهكذا يكون الإنسان حينما يواجه مشكلة أو أمرا هاما في حياته، ويقال: فارغا أي مهموما وحزينا، وربما فسرت الآية فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ [الشرح: ٧]، أي إذا حزنت وغممت، وهذا التفسير يتناسب وموضوع سورة الانشراح.
إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا أي أعطيناها الصبر والمقدرة على كتمان السر، وذلك بجعل قلبها مستقراً متماسكاً ومطمئناً لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ والقرآن يبين في هذا المقطع من الآية أهمية الكتمان في الانتصار، وكيف أنه شرط الإيمان. إذا لو أبدت أم موسى مشاعرها تجاه ولدها إذن لما كانت من المؤمنين فالإيمان بالله ووحيه والتوكل عليه وحسن الظن بتدبيره تعالى هو نتيجة (الربط)، وينتج عنها التصرف الحكيم بالكتمان. فالكتمان إشارة لاستقرار القلب على الإيمان بوحي الله وتدبيره. وروي عن الرسول صلى الله عليه واله أنه قال:)
اسْتَعِينُوا عَلَى أُمُورِكُمْ بِالْكِتْمَانِ فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ» [١].
[١١] وبعد أن ألقت أم موسى عليه السلام بوليدها لم تترك الأمر هكذا تنتظر وليدها حتى يعود إليها، بل أمرت أخته أن تلحق بالتابوت، ولكن بسرية تامة وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ حتى لا تكون العلاقات بينهما وبينه واضحة، فلا يقبل منها اقتراحها بأن تدلهم على من يرضعه مثلا، لو عرفوا أنها أخته، وربما يقتلونه.
[١٢] وهكذا عملت أم موسى كل ما في وسعها، فكان ذلك تهيئة لتدخل الإرادة الإلهية
[١] بحار الأنوار: ج ٧٤ ص ١٥٣.