من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٢ - ءالله خير أم ما يشركون
وهبت في عرض البحر عليها عاصفة فحطمتها، فإلى من سيلتجئ؟ هل سيلجأ إلى صنمه؟! أو إلى رئيسه الذي كان يخضع له من دون الله؟! لن يفعل شيئا من ذلك، وإنما سيشعر أن هناك قوة أعظم من كل ذلك، هي التي تحدد مصيره، وبيدها إنقاذه من الهلاك، وحينئذ يتجه نحوها يطلب الخلاص، وذلك هو الله رب العالمين.
وبالرغم من أنه لم يعبد الله بل عبد الطاغوت والشيطان الذي يتمثل في النفس الأمارة أو المجتمع المنحرف، إلا إن الله سبحانه يستجيب له، و ينقذه من ورطته، وعندما يتخلص من الهلكة ويصل إلى شاطئ الأمان يعود إلى انحرافه وخطئه، كما فعل بنو إسرائيل حين قالوا لموسى عليه السلام بعدما خرجوا من البحر اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: ١٣٨] وهذه من طبيعة الإنسان في كل مكان وزمان.
إن قلب الإنسان يتصل بالله في الشدة وأوقات التذكرة، ولكنه في وقت الغفلة والنسيان والضغوط ينسى الله وعهده معه- وهذه هي بداية الانحراف- فهو يبدأ من نسيان الله، وقدرته، وهيمنته، ولولا ذلك لما استعبدتنا الأهواء، ولما وجهتنا الأنظمة الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والعسكرية، وغيرها.
إن الضمير الحي النقي هو الذي يبقى متوكلا على ربه باستمرار، متصلا به في كل ظرف.
بينات من الآيات
[٥٤] من أعظم ما يسعى إليه الأنبياء إنقاذ المجتمعات من الانحراف، و توجيهها نحو الخير، ولا يثنيهم عن ذلك شيء مهما كان موقف المجتمع، ذلك أنهم يجدون أنفسهم مسؤولين عن تبليغ رسالتهم التي يتحملون من أجلها كل أذى، وهكذا كان نبي الله لوط وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرون كيف تعملون المنكر وأنتم تعلمون قبحه، وأنه ضلال وانحراف؟!.
[٥٥] أَئِنَّكُمْ خلافا للسنة الطبيعية لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إذ تتركون علمكم النابع من العقل والوجدان إلى الجهل الذي هو كل سلوك لا يهتدي بنور العلم، ولا يتوافق مع فطرة الإنسان.
[٥٦] و الذي يحمل رسالة التغيير يجب أن يتحمل من أجل تبليغها كل مكروه، لا أن يكون مستعدا لتحملها مادامت لا تسبب له أذى، فإذا أوذي في الله نكص على عقبيه، ونبي الله لوط كان يعرف مسبقا موقف قومه السلبي إلا إنه لم يتوان في تحمل مسؤوليته.