من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥٥ - بورك من في النار ومن حولها
التي هي التسليم المطلق للحق لا يتحقق مع وجود حاجز الظلم في النفس (والبغي) والتكبر (والاستعلاء في الأرض) وهكذا نجد إن هؤلاء بالرغم من توافر مقدمات اليقين عندهم جحدوا بها استرسالًا مع صفتي الظلم والاستعلاء.
[١٥] إن فرعون وملأه استكبروا، وحاولوا فرض سيطرتهم الفاسدة على الناس، بينما داود وسليمان شكروا الله حينما منحهم العلم والهدى والسلطة، وهذا هو الفرق بين البركة الإلهية واتباع خط الشيطان في نعم الدنيا وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ.
[١٦] وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ وبهذه الكلمة أعلن سليمان عليه السلام أنه ملك الناس. لماذا؟.
لأنه وصل إلى أرفع مستوى من العلم، حتى صار يعلم منطق الطير، ولأنه صار لديه كل ما يحتاجه الناس كالإدارة، وقيادة الحرب، وهذا يدل على أن الإسلام ينظر إلى القيادة من خلال الكفاءة لا النسب والحسب، فسليمان لم يرث الحكم لو لم تكن لديه الكفاءة.
[١٧] وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ وربما كانت مهمة الطيور إيصال الرسائل كالحمام الزاجل، أو التجسس كما فعل الهدهد.
فَهُمْ يُوزَعُونَ أي يوزعون ويُرتَّبون حيث يقسم سليمان المهام على جنوده، والحشر لا يعني أنهم مجموعون بشكل فوضوي، بل أنهم موزعون بشكل منظم.
ويبدو أن الحضارة قد تطورت في عهد سليمان عليه السلام وأنه كان خبيرا بلغات شتى.
جاء في تفسير علي بن إبراهيم عن الصادق عليه السلام
«أُعْطِيَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عليهما السلام مَعَ عِلْمِهِ مَعْرِفَةَ المَنْطِقِ بِكُلِّ لِسَانٍ وَمَعْرِفَةَ اللُّغَاتِ وَمَنْطِقِ الطَّيْرِ وَالْبَهَائِمِ وَالسِّبَاعِ فَكَانَ إِذَا شَاهَدَ الحُرُوبَ تَكَلَّمَ بِالْفَارِسِيَّةِ وَإِذَا قَعَدَ لِعُمَّالِهِ وَجُنُودِهِ وَأَهْلِ مَمْلَكَتِهِ تَكَلَّمَ بِالرُّومِيَّةِ فَإِذَا خَلَا مَعَ نِسَائِهِ تَكَلَّمَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ وَالنَّبَطِيَّةِ وَإِذَا قَامَ فِي مِحْرَابِهِ لِمُنَاجَاةِ رَبِّهِ تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ وَإِذَا جَلَسَ لِلْوُفُودِ وَ الخُصَمَاءِ تَكَلَّمَ بِالْعِبْرَانِيَّة» [١].
وجاء في حديث آخر
«أَعْطَى دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَداً مِنْ أَنْبِيَاءِ الله مِنَ الْآيَاتِ، عَلَّمَهُمَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأَلَانَ لَهُمَا الْحَدِيدَ وَالصُّفْرَ مِنْ غَيْرِ نَارٍ وَجُعِلَتِ الْجِبَالُ يُسَبِّحْنَ مَعَ دَاوُدَ»[٢].
[١] تفسير القمي: ج ٢ ص ١٢٩. بحار الأنوار: ج ١٤ ص ١١٢.
[٢] تفسير القمي: ج ٢ ص ١٢٦، بحار الأنوار: ج ١٤ ص ٣.