من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٩ - هدى وبشرى للمؤمنين
إن الوحي الذي تلقاه موسى لم يكن ليعالج مشاكله الشخصية، بل جاءه الوحي ليعالج مشاكل الأمة كلها، وهذا دليل على أنه اتصال غيبي من الأعلى، فلو أن الرسالة التي جاء بها كانت من عنده كنا نجد فيها آثار الظروف الصعبة المحيطة به، وما كان ليهتم بمشاكل الأمة جميعا بل البشرية كلهم، لأن الثقافة الأرضية تنبع من وسط الإنسان وتتأثر به، أما موسى عليه السلام فإنه يسمع نداء في ذلك الحين: إنني أنا الله رب العالمين، و هنالك ينسى كل شيء، ويتوجه إلى ربه خالصا، ويهدف حل مشاكل أمته، متجردا عن ذاته إلى الله، وهذه هي خلاصة قصة الرسالة: من جهة الخروج عن الوسط الذي يعيشه الفرد، ومن جهة أخرى تلقي فكرة شاملة مطلقة لا تحدها الظروف الخاصة التي يعيشها الفرد ذاته، وعبر هذه القصة والقصص المشابهة يكشف لنا القرآن الحكيم عن حقيقة الوحي، و جوهر فرقه عن الثقافات البشرية.
بينات من الآيات
[١] طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (تلك) إشارة إلى طس بأنها آيات القرآن الثابتة من جهة (فالكتاب هو الشيء الثابت) والواضحة من جهة أخرى، إذ عرفتها الآية بأنها مبينة.
[٢] هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ يحمل القرآن في آياته الهدى والبشرى، ولكن ليس لكل أحد بل لمن يريد الهداية أي المؤمنين، وبالتالي البشرى، فمن ناحية تتحرك أنت نحو القرآن فيتحرك القرآن نحوك، لتلتقي أنت والسعادة والفلاح، أما إذا جلست دون حركة نحو القرآن فلن تتلقى الهدى ولا البشارة.
[٣] الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ الصلاة والزكاة رمزان لجانبين من أعمال الإنسان، فالأولى رمز للعبودية المطلقة لله، وبالتالي التحرر المطلق من قيود الذات والواقع السلبي، والثانية رمز للعطاء، وهذه هي العلاقة التي يجب أن تقوم بين الإنسان ونظيره الإنسان، والمفارقة بين العلاقتين واضحة، فمع الله تكون علاقة العبودية، ومع الناس تكون علاقة الإحسان لا الشرك، ويعبر القرآن عن هاتين العلاقتين في آية أخرى حين يقول وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً [النساء: ٣٦].
[٤] إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ إن الذي يضع لنفسه هدفا بعيدا كالآخرة يكيف نفسه مع ذلك الهدف، فلا يتأثر بالعادات والظروف المحيطة به، لأنه يجعل سائر أعمال الحياة وسيلة لهدف أسمى، فلا يعبد ذلك العمل ولا يحبه أو يمارسه إلا من أجل الهدف الذي يؤدي هذا العمل إليه، أما الذي لا هدف له فهو يحب الوسيلة ويقف