من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٨ - هدى وبشرى للمؤمنين
أسمائه الحسنى، وإلى السنن الكونية وغيرها التي أجراها في الحياة، وهو من جهة أخرى دساتير ثابتة، وقوانين مستمرة في حياة الإنسان التشريعية.
وفي البدء يهدينا القرآن إلى الله عن طريق إعطاء الأمل والهداية وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ثم يأمرنا بمختلف الفرائض كالصلاة والزكاة.
أما لماذا لا يؤمن فريق من الناس بالقرآن؟ فلأن أعمالهم السابقة- إجرامهم وفسقهم وضلالتهم- التي اكتسبوها باختيارهم تصبح حجابا بينهم وبين الحقيقة، والمشكلة الحقيقية إذا تحولت هذه الأعمال إلى عادة، ذلك أن حجاب العادة من أمتن الحجب وأصعبها أمام الإنسان، والذي ينتصر على عاداته وسابقياته الفكرية فإنه يتجاوز سائر الحجب والمشاكل بسهولة، إلا إن اختراق هذا الحجاب من أصعب الأشياء على البشر.
وفي الوقت الذي تشير هذه الآيات لهذا الحجاب تبين أن هذه سنة كونية جعلها الله في الحياة، فالذي يبدأ بالصلاة تخف صعوبتها عليه شيئا فشيئا حتى يصير من المستأنسين بها، وأما حين يقدم الإنسان على الفاحشة فإنه يستوحش منها ويلاحقه تأنيب الضمير بسببها في بادئ الأمر، ولكنه لو عاد إليها المرة تلو الأخرى فسوف تتحول إلى عادة عنده لا يحس حين ممارستها بأدنى تأنيب، ومثال على هذه الفكرة هو إدمان الجريمة لدى الطغاة، فهم أول ما يقدمون على جريمة القتل يكون الأمر بالنسبة إليهم صعبا، ولكن حينما تتكرر منهم الجريمة فإنها تصبح روتيناً يومياً بل و يستأنس بالجريمة، وتلك سنة إلهية أن يزين الشيطان للإنسان عمله.
والشجاع الحق هو الذي يغلب نفسه وهواه، فيخترق سد العادة ليصل إلى نور الحقيقة، ويتمسك بها حتى لو كلفه ذلك التنازل عن كل سابقياته الخاطئة.
ثم تشير الآيات إلى أن التدبر في القرآن يصل بالإنسان إلى معاني الحكمة والعلم التي يشتمل عليها، فآيات الحكمة وشواهدها واضحة في القرآن عبر الأحكام التي نجدها فيه، فكل حكم يراعي كل الجوانب والجهات من دون أن يحيف بأحد لحساب أحد، أو لجانب على حساب جانب آخر، و أما حقائق العلم فهي باطن آيات الحكم، ومن خلال هذا وذاك يعرف المؤمنون اسمي الحكيم العليم لربهم.
وفي نهاية هذه الآيات يضرب الله مثلا من واقع موسى عليه السلام فموسى كان طاهرا ونقيا، إلا أن الوحي أوقد مصباح عقله بنور الله، إذ نزل عليه في عمق الصحراء وفي الليل المظلم، حيث البرد والضياع والزوجة الحامل، و هكذا يهبط الوحي على الأنبياء عند لحظات النقاء والطهر والتجرد و التي ترافق لحظات الشدة والعسر.