من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١١ - وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون
عاد مساكنهم على الأرياع، وشيدوا لهم القصور، فاغتروا بما صنعوا، وعندما اغتروا تجبروا وتكبروا، فوجهوا قولهم وبطشهم لمن حولهم، قال تعالى وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ إن بطشكم ليس على المخطئين، ولكن بطشكم من أجل نشر تسلطكم، و نشر الرعب في قلوب الآمنين.
[١٣١] فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ كرر الله عن لسان هود عليه السلام كلمة التقوى أربع مرات، وهذه الآية هي المرة الثالثة، وربما يتساءل البعض: لماذا كرر الله التقوى أربعا؟.
والجواب: إن التقوى كلمة ليست ذات بعد واحد، فأمام كل ذنب تقوى، فالتقوى في الكذب ترك الكذب، وفي الكفر الإيمان، وفي الإجرام الترك، وفي الاعتداء التورع.
وعلى هذا فالتقوى في هذه الآية تتمثل في ترك العبثية، وإبعاد فكرة الخلود، واجتناب البطش بالناس نكاية بهم، وهكذا قوم هود كلما ذكر انحراف عندهم أمرهم بالتقوى في الله لأن الانحراف يؤدي إلى العذاب الإلهي الذي لا بد من اجتنابه، أما التقوى في الآية التالية فلعل المراد منها الشكر، و ترك الكفر بنعم الله بعدم أداء حقوقها.
وقد أرفق هود بكلمة التقوى كلمة وَأَطِيعُونِ للدلالة على أن الإصلاح يمر عبره، لأنه يمثل خلافة الله في الأرض.
[١٣٢- ١٣٣] وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ ربما تشير هاتان الآيتان إلى مرحلة البداوة التي مر بها قوم عاد، و يشير الله إليها بقوله بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وهذه النعم عادة ما تكون لأهل الصحراء.
[١٣٤] أما المرحلة الثانية التي مر بها قوم عاد فهي مرحلة التحضر، وذلك في قوله سبحانه وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ حيث إن الزراعة نوع من التقدم في مسيرة البشرية.
[١٣٥] إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ أشفق هود على قومه أن يحل عليهم عذاب يوم عظيم، ولعل الفرق بين العذاب العظيم وعذاب يوم عظيم الذي ذكره القرآن هو: أن العذاب إذا نسب إلى اليوم فكأنه يستوعبه، ويستمر بامتداده، ولعله يكون أكثر من نوع واحد من العذاب. فحذرهم ذلك اليوم.
[١٣٦] قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنْ الْوَاعِظِينَ كلاهما سواء، وعظت أم لم تعظ، لن نؤمن لك.
[١٣٧] إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ وسم قوم عاد نبيهم هودا عليه السلام بالرجعية، والأفكار