من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٠ - إنا رسول رب العالمين
إسرائيل، وذبح أبنائهم، واستحياء نسائهم، واستخدام بعضهم لتربية البعض الآخر كرها، أعيب عليك ذلك، وأين تلك من هذه، تمن علي التربية ولكني أعيرك بما فعلت ببني إسرائيل.
من الذي ربى موسى؟ أليس بني إسرائيل أنفسهم بأمر من فرعون، ثم ما الذي الجأ أم موسى لتجعله في التابوت، ثم تقذفه في اليم، وما الذي أعطى الحق لفرعون أن يقتل هذا ويعفو عن ذلك، ويسرق أموال هذا و يضعها عند ذاك. أوليس كل ذلك جريمة لا بد أن يعاقب عليها فرعون، ذو الظلم والطغيان، وليس ثمة نعمة يشكر عليها وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ونستوحي من الآية فكرتين
الأولى: أن فراعنة كل عصر يجب أن يلقموا حجرا كلما زعموا أن عليهم منة على الناس، ذلك أن جميع تقلباتهم في البلاد وتصرفاتهم في شؤون العباد جرائم لأنها ليست بإذن الله، ولا بتخويل من الناس.
الثانية: أن موسى تجاوز نفسه وتحدث عن كل بني إسرائيل، كما تجاوز الحديث عن قضية محدودة إلى بيان جذرها، وهكذا ينبغي ألا يقع الفرد الرسالي في الخطأ بالحديث عن ذات القضية التي يتحدث عنها الظالمون، ولا بالحديث عن أنفسهم بل يتحدثوا عن جذور المشكلة حسب نهجهم الإعلامي المستقل، وعن آلام الشعب جميعا. إنهم- وحدهم- ممثلو الناس، وعليهم أن ينطقوا باسمهم وعن مشاعرهم.
[٢٣] لم يجد فرعون نفعا توسله بالقضايا الجانبية، لأن موسى جاء بحجة أبلغ، فاضطر إلى الجدل حول جوهر الرسالة، ويبدو من سياق الحديث أنه اتخذ نهج الاستهزاء وسيلة لجدله قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ لم يقل: ومن رب العالمين لجهله المفرط، وأسلوبه الساخر، ولعله سأل عن طبيعة الله، فلم يسترسل موسى معه، لأن معرفة الذات مستحيلة.
[٢٤] إنما مضى موسى قدما في دعوته إلى الله عبر آياته، وبين أن جهلهم بالله آت من نقص في أنفسهم قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ وهكذا ينبغي أن يستدل المؤمن على ربه بآياته وأفعاله، مقتديا بنهج أنبياء الله.
جاء في حديث مأثور عن أمير المؤمنين عليه السلام، في صفة الله سبحانه
«الَّذِي سُئِلَتِ الْأَنْبِيَاءُ عَنْهُ فَلَمْ تَصِفْهُ بِحَدٍّ، ولَا بِبَعْضٍ، بَلْ وَصَفَتْهُ بِفِعَالِهِ، ودَلَّتْ عَلَيْهِ بِآيَاتِهِ» [١].
وحين قال موسى إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ أشار إلى أن الإيمان بالله لن يبلغه من لا يجهد ولا
[١] الكافي: ج ١ ص ١٤١.