من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٩ - إنا رسول رب العالمين
وكل أنبياء الله بشر يفقدون درجة من العلم والحكم قبل النبوة والرسالة، وإنما يتميزون على سائر الناس بالوحي، وليس بعنصر إلهي يتداخل فيهم، والقرآن حافل ببيان هذه الحقيقة تصريحا أو بالإشارة، وقد قال سبحانه قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَ [الكهف: ١١٠].
ودليل صدقهم أساسا هو أن الوحي يحدث تحولا فجائيا فيهم، فبينما الرسول يلبث في قومه دهرا، لا يدعوهم إلى شيء، تراه يبعث إليهم برسالة متكاملة، من المستحيل أن يكون قد ابتدعها من نفسه بين عشية و ضحاها.
وهذا بخلاف العلماء والباحثين الذين تتكامل أفكارهم وبحوثهم يوما بعد يوم.
ولعل في قوله إِذاً دلالة على أنه رد التهمة أساسا، وأجابه: أنه إذا سلم بوجود نقص عنده- جدلا- فإنما هو الضلال، وعدم الوحي.
وجاء في حديث مأثور عن الإمام الرضا عليه السلام
«إِنَّ فِرْعَوْنَ قَالَ لِمُوسَى لَمَّا أَتَاهُ
وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنْ الْكَافِرِينَ- لِي، قالَ: مُوسَى- قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنْ الضَّالِّينَ
عَنِ الطَّرِيقِ بِوُقُوعِي إِلَى مَدِينَةٍ مِنْ مَدَائِنِكَ ..» [١].
[٢١] و قد فر موسى عن مدائن فرعون خشية عنصريته، التي كان يدين- بموجبها- أي واحد من بني إسرائيل بمجرد الصراع بينه وبين الأقباط.
فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ والآية تدل على أن الفرار من الظلم فضيلة، أو لا أقل لا بأس به.
ونستوحي أيضا من الآية: أن التمرد على قوانين الأنظمة غير الشرعية عمل شريف.
ولأن موسى نصر الحق، و رفض الخضوع لنظام الطاغوت، ولأنه توكل على الله، وهاجر عن بلاد الكفر، فإن الله أكرمه بالنبوة والرسالة.
فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً إن حرف الفاء يوحي إلينا بأن هناك علاقة بين فراره من ظلم فرعون و بين الحكم الذي وهبه الله له، ولعل الحكم هو العلم، ولعله النبوة التي تسبق الرسالة وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُرْسَلِينَ ونستوحي من كلمة وَجَعَلَنِي أن صاحب الرسالة هو الحاكم والخليفة في الأرض، وأن هذا المنصب بحاجة إلى قرار وجعل وتنصيب.
[٢٢] ورد موسى جدل فرعون إذ قال أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً: بأن استعبادك لبني
[١] بحارالأنوار: ج ١١، ص ٨١.