غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٧٥٠ - الجهة الثالثة أنّه ما هو الأصل في المتعارضين وما هو الأصل في المتزاحمين؟
الثوب
نجاسة ذلك البول الّذي أصابه فليس مخبرا بكلّي النجاسة، فإذا انتفت إصابة
البول انتفت النجاسة المستندة إليها ومقامنا أيضا كذلك، فإنّ الدليل الدالّ
على الوجوب مثلا إنّما ينفي الإباحة والكراهة والاستحباب المجامعة للوجوب،
والدليل الدالّ على التحريم إنّما ينفي الثلاثة الملازمة للتحريم، فإذا
انتفى الوجوب والتحريم انتفت لوازمهما وهو نفي الأحكام الاخر. فالحقّ أنّ
المتعارضين وجودهما كعدمهما، فيجوز الرجوع فيهما إلى الأصل وإن كان مؤدّاه
مخالفا لهما، فافهم وتأمل.
هذا كلّه على الطريقيّة فإنّه بناء عليها لا يكون دليل الحجّية شاملا
للمتعارضين المتكاذبين، لاستحالة شموله لهما معا، وشموله لأحدهما دون الآخر
ترجيح من غير مرجّح، هذا حيث يكون للدليل إطلاق، وأمّا حيث يكون دليل
الحجّية هو الإجماع وبناء العقلاء فكذلك، إذ بناء العقلاء لم يستقرّ في
المتناقضين لعين ما ذكر في الدليل اللفظي، وهذا على الطريقيّة واضح، وأمّا
بناء على السببيّة فقد يقال بالتزاحم بين الدليلين المتعارضين لقيام
المصلحة بهما معا.
و التحقيق أن يقال: إنّ السببيّة أوّلا لا نقول بها، وعلى تقدير القول بها دفعا لشبهة ابن قبة فالسببيّة لها معنيان:
أحدهما: سببيّة الإماميّة وهي عبارة عن الالتزام بالمصلحة السلوكيّة في
الأمارة الّتي دلّ دليل الشارع على الالتزام بها، وهي مصلحة في تطبيق العمل
على طبقها بمقدار يكون الفائت من مصلحة الواقع متداركا بها على اختلاف
كميّة الفوات، فإن اريد بها هذه السببيّة فمعلوم أنّها إنّما يلتزم بها
الإماميّة بعد شمول دليل الحجّية لكلا الدليلين، وأمّا لو لم يشملهما دليل
الحجّية فلا، والمفروض أنّ المتعارضين لم يشملهما دليل الحجّية.
الثاني: السببيّة المشتركة بين المعتزلة والأشاعرة وهي القول بدوران الحكم مدار الأمارة حدوثا-كما هو قول الأشاعرة[١]فقبل قيام الأمارة لا حكم شرعا-
[١]انظر فوائد الاصول(١ و٢): ٢٥٢.