غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٤٨ - في قيام الأمارات مقام القطع
فالشارع
لم يجعل إلاّ الطريقيّة له، (و لو كان المجعول هو التنجيز والإعذار من دون
جعل الطريقيّة لزم تخصيص قاعدة قبح العقاب بلا بيان، لعدم كون الأمارة
بيانا، والحكم العقلي غير قابل للتخصيص، فافهم)[١].
و لا يخفى أنّ جعل الطريقيّة إنّما هي جعل طريقيّة ظاهريّة كطريقيّة القطع،
فلو خالفت الواقع لا يترتّب عليها أثر أصلا، وإنّما تترتّب آثار الواقع،
فافهم. نظير القطع لو انكشف خطاؤه عينا، وحينئذ فإذا جعل الشارع المقدّس
طريقيّة الأمارة لترتيب آثار الواقع المنكشف فترتيب آثار نفس الانكشاف أولى
بالترتّب، فيترتّب التنجيز والإعذار قسرا عليه بلا حاجة إلى جعل الشارع
لذلك، كما ذكره قدّس سرّه فتأمّل.
و بالجملة، فلو كان معنى جعل الحجّيّة جعل المؤدّى لزم اجتماع اللحاظين
وكان وجها للمنع كما ذكره قدّس سرّه إلاّ أنّه لا يلتزم به كما قدّمنا، وهو
غير صحيح في نفسه، لعدم دليل من أدلّة الحجّيّة يدلّ على جعل المؤدّى
أصلا. وأمّا قوله عليه السّلام: ما أدّيا عنّي فعنّي يؤدّيان[٢]المراد
منه ليس جعل المؤدّى أصلا وإنّما معناه أنّ الشكّ الّذي يعتريكم في
روايتهما ألغوه، يعني ما أدّيا عنّي فكان مشكوكا لكم فهو عنّي، بمعنى
رتّبوا آثار القطع عليه، وحينئذ فجعل المؤدّى ثبوتا غير ممكن لأدائه إلى
التصويب المجمع على بطلانه، وإثباتا أيضا غير صحيح، لعدم دليل يدلّ عليه.
و بالجملة، فالحقّ أنّ الأمارة لا تقوم مقام القطع المأخوذ في الموضوع على
وجه الصفتيّة، وذلك لأنّ الصفة وهي عدم التردّد له مدخليّة في الحكم. ولا
ريب أنّ دليل حجّية الأمارة لا يرفع التردّد وجدانا، وإنّما يرفعه تعبّدا،
فالصفة لا يمكن أن توجد بدليل الحجّيّة. ولكن لا يخفى أنّه لا قطع يؤخذ في
موضوع حكم شرعي بنحو الصفتيّة أصلا، فالبحث فيها بحث علمي لا جدوى فيه
عملا.
[١]ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.
[٢]الوسائل ١٨: ١٠٠، الباب ١١ من أبواب صفات القاضي، الحديث ٤.