غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٣٣٩ - في جريان الأدلة الشرعية في أطراف العلم الإجمالي وعدمه
في مورد
الكلام لعدم القدرة على كليهما معا، فلا بدّ من تقييد وجوب كلّ منهما
بصورة ترك الآخر، وحينئذ فيتخيّر فيما يفعل من الواجبين وما يتركه، ومقامنا
من هذا القبيل إذ يدور الأمر بين عدم شمول أدلّة الاصول للمقام كليّة
للمانع الثبوتي، وبين إجراء أدلّة الاصول في أحدهما عند ترك الآخر، إذ به
يرتفع المحذور الثبوتي وهو الترخيص في المعصية المعلومة، وحيث إنّ الضرورة
تقدّر بقدرها فلا بدّ من تقييد إطلاق أدلّة الاصول بما إذا لم يفعل الآخر
بأن لم يشرب الإناء الثاني أصلا فهنا يجري الأصل في الإناء الأوّل. وهذه
شبهة عويصة.
و قد أجاب الميرزا قدّس سرّه بأنّ إطلاق أدلّة الاصول لكلا الفردين مستحيل،
فإذا كان الإطلاق مستحيلا فالتقييد أيضا مستحيل؛لأنّ التقابل بينهما تقابل
العدم والملكة[١].
و قد عرفت غير مرّة بأنّ التقابل بينهما في مرحلة الثبوت الّذي هو محلّ
الكلام تقابل الإيجاب والسلب الّذي يكون انتفاء أحد الضدّين مقتضيا لثبوت
ضدّه، نعم هما في مرحلة الإثبات متقابلان تقابل العدم والملكة كما ذكره
قدّس سرّه. ثمّ لو سلّمنا كون التقابل في مرحلة الثبوت أيضا كان من تقابل
العدم والملكة إلاّ أنّ استحالة أحد المتقابلين بهذا التقابل لا يوجب
استحالة الآخر بل يوجب ضروريّة الآخر، ونظرنا لذلك بالجهل والعلم فإنّ
استحالة الجهل في ذات اللّه تعالى توجب ضروريّة العلم، وكذلك الفقر والغنى
فإنّ استحالة الغنى في العبد تستدعي ضروريّة الفقر، فهذان مع كون
تقابلهما تقابل عدم وملكة إلاّ أنّ استحالة أحدهما لا تستدعي إلاّ ضرورية
الآخر، واستحالة الفقر في ذاته تعالى تستدعي ضروريّة الآخر وهو الغنى فيه
تعالى.
[١]أجود التقريرات ٣: ٤٢١.