غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٣٠٩ - استطراد الكلام في اللباس المشكوك
فإن قلنا بالأوّل فلا مانع من جريان الاستصحاب له، إذ أنّه قبل لبسه لهذا الثوب كان يصحّ منه الصلاة فإذا شكّ استصحب حاله السابق.
و إن قلنا بالثاني فلا يمكن جريان الاستصحاب في نفس اللباس، لعدم مسبوقيّته
بالحالة المتيقّنة حتّى تستصحب. نعم، لو شكّ في أنّ الشعرات الّتي سقطت
على هذا اللباس شعرات غير المأكول، أو شعرات المأكول وكان اللباس سابقا
يصحّ الصلاة فيه توجّه جريان الاستصحاب حينئذ.
و إن قلنا بالثالث فلا يمكن جريان الاستصحاب، لعدم اتّصاف الصلاة بهذا الثوب بحالة؛إذ لم تكن حتّى تستصحب.
نعم، لو صلّى بثوب مأكول اللحم، ثمّ في أثناء الصلاة فيه سقطت عليه شعرات
يشكّ فيها، أو لبس ثوبا آخر يشكّ فيه لا مانع من استصحاب الصحّة في تلك
الصلاة، لأنّ لها حالة سابقة متيقّنة فتستصحب، والظاهر من المانع كون
اتّصاف نفس الصلاة بوقوعها في لباس غير المأكول مانعا، بمعنى أنّ الظاهر هو
الاحتمال الأخير، لأنّه المستفاد من الأخبار لمن أمعن النظر فيها، فلا
يجري الاستصحاب لنفس الصلاة، لعدم وقوع الصلاة بهذا الثوب المشكوك حتّى
يستصحب حكمها.
نعم، لو قلنا باستصحاب العدم الأزلي لقلنا بجريان الاستصحاب في الصلاة لو
وقعت بهذا الثوب المشكوك، لأنّ الصلاة قبل لم تكن موجودة ولم تكن مقترنة
بالمانع والآن وجدت الصلاة نفسها واقترانها بالمانع غير معلوم فيستصحب
عدمه. بل يمكن الاستصحاب وإن لم نقل باستصحاب العدم الأزلي، وذلك بتمهيد
مثال هو: أنّه لو شكّ في انقلاب الخلّ مثلا إلى الخمر فلا ريب في استصحاب
الخلّية، أمّا لو علم بعدم بقائه على الخلّية قطعا لكنّه شكّ في أنّه انقلب
خمرا أو شيئا آخر غير الخمر فهنا لا يمكن استصحاب الخلّية، لفرض العلم
بانتفائها إلاّ أنّ عدم كونه خمرا لا مانع من استصحابه، فإنّ هذه المادّة
الخاصّة لم تكن خمرا قطعا في زمن ويشكّ في صيرورتها خمرا فيستصحب عدمه.