غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٥٧١ - التنبيه الثالث في ما لو ثبت المستصحب بأمارة أو أصل
و أمّا
ثانيا: فإن اريد بها الإخبار عن الملازمة الواقعيّة فلا ريب أنّه كذب
وجداني إذ لا ملازمة بين ثبوت شيء وبقائه واقعا، مع أنّ دليل ثبوت الشيء
يكون دالاّ على بقائه لا الاستصحاب، وإن اريد جعل الملازمة ظاهرا وتعبّدا
فهو باطل أيضا، لأنّه يقتضي عدم جريان البراءة في المشكوك المقرون بالعلم
الإجمالي الّذي قد انحلّ بقيام بيّنة على تعيين النجس، مثلا إذا علم نجاسة
أحد الإناءين فقد تنجّز وجوب اجتنابهما معا، فإذا قام دليل على تعيين النجس
منهما كالبيّنة فما ذكره يقتضي عدم جريان أصالة الطهارة وأصالة البراءة من
حرمة شربه، لأنّ التنجيز ثبت فيدوم، وهذا باطل في الشبهة الموضوعيّة
إجماعا، وفي الشبهة الحكميّة التحريميّة أيضا على مذاق الاصوليّين. نعم هو
صحيح على مذاق المحدّثين من اجتناب المشكوك حرمته بدوا، وحينئذ فلا بدّ لنا
من ذكر وجه جريان الاستصحاب في الأحكام الثابتة بالاصول والأمارات.
فنقول: يقع الكلام في موردين: أحدهما في الاصول، والثاني في الأمارات.
أمّا الكلام في الاصول: فالحقّ هو التفصيل بين الاصول المثبتة لحدوث الحكم
واستمراره وبين الاصول المثبتة لحدوث الحكم فقط، ففي الأوّل لا يجري
الاستصحاب لعدم الشكّ بخلاف الثاني، مثال الأوّل: أصالة الطهارة والحلّ
والاستصحاب فإنّها تحدث الحكم بالطهارة وتحكم باستمراره إلى زمان العلم
بعروض النجاسة والحرمة، وفي الاستصحاب إلى زمن حدوث يقين آخر، مثلا إذا
شككنا في طهارة شيء ونجاسته كالصابون المجلوب من بلاد الكفر فبأصالة
الطهارة يحكم بطهارته، فلو شككنا بعد ذلك بعروض نجاسة خارجيّة عليه فنفس
أصالة الطهارة تتكفّل أنّ حكمه الطهارة بمعنى أنّها تنجّز طهارته فيرتفع
الشكّ في النجاسة، فإذا ارتفع الشكّ في النجاسة فكيف يجري الاستصحاب.
و دعوى: أنّ الاستصحاب يحكم على أصالة الطهارة، مسلّمة لكنّها حيث يجري الاستصحاب وتتمّ أركانه، وهنا ليس تامّ الأركان لفقد الشكّ.