غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٤٩٢ - التنبيه الثالث في النسبة بين قاعدة لا ضرر وأدلّة الأحكام
كما لا مجال لما ذهب إليه الشيخ الأنصاري من اعتبار تقدّم دليل المحكوم على دليل الحاكم زمانا[١]لأنّه
لا بدّ أن يكون ناظرا إليه، وذلك لأنّ المعتبر إنّما هو التقدّم الرتبي
بينهما لا الزماني، وذلك لإمكان أن ينفي الحكم أو الموضوع أوّلا ثمّ يأتي
بالمحكوم بعده مثلا يقول: لا شكّ لكثير الشكّ، ثمّ يبيّن حكم الشكّ.
و قد اتّضح ممّا ذكرنا معنى الحكومة الواقعيّة وانطباق«لا ضرر»عليها، وبقي
أنّ الحكم بتقديم دليل الحاكم على دليل المحكوم مع كون النسبة بينهما هو
العموم من وجه ما وجهه ودليله؟
فنقول: أمّا في الحكومة الّتي يكون دليل الحاكم متصرّفا في عقد الوضع من
دليل المحكوم فواضح، إذ لا تعارض بينهما أصلا؛و ذلك لأنّ أدلّة الأحكام
الثابتة للأشياء مثل الدليل الدالّ على حكم الشكّ وأنّه البناء على الأكثر
لا يتعرّض لموضوعه وتحقّقه في الخارج وعدم تحقّقه، وإنّما يثبت الحكم على
تقدير وجود الموضوع، وأدلّة الحاكم مثل«لا شكّ لكثير الشكّ»تقول بأنّ كثير
الشكّ ليس داخلا في موضوع الحكم السابق فهي تنفي كون هذا الفرد من موضوعه،
والدليل المحكوم لم يتعرّض لهذا وأنّه من أفراده حتّى تقع المعارضة بينهما،
وهذا بخلاف العامّ والخاصّ فإنّهما يتعارضان في مثل«أكرم العلماء»و«لا
تكرم فسّاقهم»في زيد الفاسق فدليل «أكرم العلماء»يقتضي إكرامه ودليل«لا
تكرم فسّاقهم»يقتضي العدم فتقع المعارضة.
و أمّا أنواع الحكومة الواقعيّة الباقية-سواء كانت بـ«عنيت وقصدت»أو كانت
بالتصرّف في عقد الحمل من دليل المحكوم أو كانت نفيا للحكم مثل لا ضرر-فوجه
تقدّمه على دليل المحكوم هو الوجه في تقدّم الأدلّة الاجتهاديّة على
الاصول، فكما أنّ الأدلّة الاجتهاديّة تنفي موضوع الأصل كذلك مثل«لا
ضرر»تكون نافية
[١]فرائد الاصول ٤: ١٣-١٤.