غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٤٤٩ - الكلام في شروط الاحتياط
الأوامر
التعبّديّة إنّما شرّعت من ناحية التعبّد بها، والعقل مستقلّ بأنّ
الانبعاث من الأمر القطعي حيث يمكن هو الحسن، والانبعاث من الأمر الاحتمالي
حيث يمكن الانبعاث من الأمر القطعي ليس بحسن، ومع الشكّ فالمرجع قاعدة
الشغل.
و لا يخفى ما فيه، فإنّ اعتبار الانبعاث عن الأمر القطعي لا دليل على
اعتبارها لو لم نقل بقيام الدليل على عدم اعتبارها، ومع الشكّ فالمقام من
صغريات دوران الأمر بين اعتبار تعيين القطع بالأمر بخصوصه-بمعنى أنّه يعتبر
الانبعاث عن الأمر القطعي بخصوصه-أو يتخيّر بينه وبين الأمر الاحتمالي،
وقد تقدّم أنّه إذا دار الأمر بين التعيين والتخيير فأصالة البراءة من
التكليف بالخصوصيّة ترفع التكليف بالخصوصيّة، فيكون العبد مخيّرا بين
الامتثال والانبعاث عن الأمر القطعي وبين الانبعاث عن الأمر الاحتمالي،
فالمقام من مقامات البراءة لا من مقامات قاعدة الشغل.
و أمّا الكلام في المورد الثاني وهو ما كان الاحتياط فيه غير مستلزم
للتكرار أيضا لكن كان مع العلم الإجمالي بالتكليف، مثل أن يعلم إجمالا إمّا
بوجوب قراءة الدعاء عند رؤية الهلال أو بوجوب الصلاة ركعتين مثلا، ولا فرق
بين هذا وبين سابقه فيما ذكر فيه إلاّ إمكان أن يقال: حيث كان المقام
مقرونا بالعلم الإجمالي بالتكليف فلو التزمنا فيما لا علم بالتكليف باغتفار
قصد الوجه لا نلتزم هنا لوجود الأمر، وليس بمتين؛لأنّ قصد الوجه إن كان
معتبرا في الامتثال وحقيقته فهو معتبر حتّى في صورة عدم العلم بالتكليف مع
إمكان تحصيل العلم بالتكليف، وإن لم يكن معتبرا في حقيقة الامتثال فليس
بمعتبر حتّى في صورة العلم بالتكليف وقد ذكرنا الأدلّة على عدم اعتباره في
الأوّل فراجع.
كما أنّه يمكن أن يقال: إنّ الانبعاث عن احتمال الأمر مع إمكان الانبعاث عن
نفس الأمر القطعي جائز حيث لا يعلم المكلّف بالتكليف، أمّا حيث يعلم فليس
بجائز كما اختاره الميرزا النائيني قدّس سرّه في الدورة الاولى وفي مباحث
القطع من الثانية.