غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٣٣ - تنبيهات التجرّي
بل
الأقوال فيه أربعة: كون العبرة بالمعصية الواقعيّة، أو الاعتقاديّة، أو
إحداهما، أو بهما معا، كما هو الظاهر، إذ المعصية المأخوذة في الأخبار لا
تصدق إلاّ على الواقع الواصل. وإن كان الضرر ذهاب مال-كما في
الكمارك-فالقطع به لا يقتضي حرمة السفر فضلا عن الظنّ)[١].
و الإثم في الثاني من جهة أنّ موضوعه خوف الفوات الحاصل مع قيام الظنّ على ضيق الوقت، فلا ربط لهما بالتجرّي أصلا، فافهم.
(و إن شئت فقل: إنّ احتمال الضيق يقتضي أيضا المبادرة، لأنّ الشغل اليقيني
يستدعي الفراغ اليقيني. ودعوى الإثم لو ترك وانكشف حينئذ سعة الوقت ممنوعة
أشدّ المنع)[٢].
الثالث: أنّه ربّما يستدلّ على حرمة الفعل المتجرّى به شرعا بما دلّ على
أنّ الناس يعاملون بنيّاتهم وأنّ لكلّ امرئ ما نوى، بتقريب أنّها دالّة على
حرمة نيّة المعصية، فيعارضها ما دلّ على العفو عن نيّة السوء وأنّها لا
تكتب، فيجمع بينها بحمل الأخبار الدالّة على التحريم والعقاب على ما إذا
شرع بعد نيّته بمقدّمات العمل المحرّم، وحمل ما دلّ على العفو على ما إذا
لم يشرع في مقدّمات العمل المحرّم، فينتج الجمع حرمة ما اشتغل المكلّف
بمقدّماته، والمتجرّي المفروض أنّه اشتغل بالمقدّمات وأتى بذي المقدّمة
أيضا فيكون محرّما[٣].
و الجواب أوّلا: أنّ هذا الجمع جمع تبرّعي لا شاهد له فهو غير مقبول، بل
ينبغي الجمع بينها بحمل الاولى-و هي ما دلّت على العقاب-على ما إذا لم
يرتدع من نفسه بل ارتدع بأمر خارجي قسرا عليه، وحمل الثانية وهي ما دلّت
على العفو على ما إذا ارتدع بنفسه. وشاهد هذا الجمع هو الخبر المرويّ عن
النبيّ في الرجلين يقتتلان
(١ و٢)ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.
[٣]انظر القواعد والفوائد ١: ١٠٧، والفرائد ١: ٤٨-٥٠.