غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٣١٦ - دوران الأمر بين المحذورين في واقعة واحدة توصلية
و أمّا الحكم بالتخيير العقلي فقط مع عدم الحكم شرعا كما اختاره الميرزا النائيني قدّس سرّه بتقريبين:
أحدهما: عدم تناول أدلّة جعل الاصول للمقام، إذ لا أثر له فإنّ الفعل أو
الترك لا بدّ أن يتحقّقا فلا أثر لجعل الاصول حينئذ، إذ جعل الأصل لا بدّ
أن يكون له أثر فإذا لم يكن له أثر استحال الجعل، ولا أثر في المقام فإنّ
إمكان الفعل والترك موجود وأحدهما واقع لا محالة.
الثاني: أنّ الرفع إنّما يمكن حيث يمكن الوضع، إذ لو كان الوضع مستحيلا لم
يكن معنى للرفع، والوضع في المقام مستحيل، إذ الاحتياط الإلزامي غير ممكن
حتّى يضعه، لدورانه بين المحذورين فيكون الرفع كذلك مستحيلا.
و لا يخفى عليك إمكان جريان البراءة النقلية وشمول أدلة جعلها للمقام، وذلك
أنّ مورد اجتماع دوران الأمر بين المحذورين قابل للجعل الشرعي، فإنّ
الشارع له أن يجعل الإلزام بالفعل في مثل المقام فيقول: إذا دار الأمر بين
المحذورين فقدّم جانب الأمر، إذ احتمال الوجوب أولى بالمراعاة. وكذلك
يستطيع أن يجعل الالتزام بالترك فيقول: إذا دار الأمر بين المحذورين فقدّم
جانب التحريم مثلا؛لأنّ دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة، وحديث الرفع
إنّما يرفع كل حكم من غير أن يكون لرفع الثاني به دخل أصلا، وحينئذ فالوجوب
بخصوصه في مقام الدوران بين المحذورين غير معلوم فيشمله رفع ما لا يعلمون،
وكذلك التحريم بخصوصه أيضا غير معلوم فيشمله رفع ما لا يعلمون.
نعم، في المقام مخالفة التزامية، إذ نعلم نحن أنّ أحد هذين الأصلين غير
مطابق للواقع فنعلم نحن حينئذ أنّه بترك كل منهما خالفنا مخالفة التزامية،
وسيأتي عدم إحرازها عن قريب إن شاء اللّه تعالى.
و من هذا البيان ظهر إمكان جعل الاستصحاب في دوران الأمر بين المحذورين في
الموضوع والحكم، فمثل ما لو علم أنّه حلف إمّا على السفر أو على تركه