غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٣١٥ - دوران الأمر بين المحذورين في واقعة واحدة توصلية
و
الإباحة لا يعتنى باحتمال الحرمة مع أنّه احتمال مفسدة لا يعارضه احتمال
مصلحة، فكيف إذا انضمّ إلى احتمال المفسدة احتمال المصلحة؟فعدم الاعتناء
باحتمال المفسدة حينئذ أولى، فتأمّل.
و أمّا القول بالتخيير الشرعي، فإن اريد من التخيير الشرعي التخيير في
المسألة الاصوليّة كما احتمل أن يكون هو المراد في الأخبار العلاجيّة أيضا،
بمعنى أنّ المجتهد يختار أحد الأمرين من الوجوب والحرمة فيفتي به، فهو-مع
أنّه لا دليل عليه أصلا لورود الأخبار العلاجيّة بالتخيير في تعارض الخبرين
تعبّدا-تشريع محرّم وقول بغير علم، إذ لو سئل ما مدركك في الحكم
بالتخيير؟لا يرى له حجّة يعتدّ بها.
و إن اريد من التخيير التخيير في مقام العمل فهو غير معقول، لأنّ الشارع
إنّما يبعث نحو شيء يمكن أن يفعل وأن يترك ليجعل الباعث نحو أحدهما، أمّا
ما لا بدّ من وقوعه فلا يعقل للشارع طلبه، إذ هو تحصيل للحاصل، والتخيير
بين الفعل والترك في المقام لا بدّ منه، إذ هو إمّا أن يفعل أو يترك.
و أمّا التخيير العقلي والحكم بالاباحة شرعا كما اختاره الآخوند قدّس سرّه
مستندا في الحكم بالإباحة شرعا إلى قوله: «كلّ شيء حلال حتّى تعرف أنّه
حرام بعينه فتدعه»[١]إذ لم يعرف في المقام المحرّم بعينه فهو حلال.
فلا يخفى عليك ما فيه، فإنّ محلّ الكلام في دوران الأمر بين المحذورين،
سواء كان في الشبهة الموضوعيّة أو الحكميّة وإن لم نطّلع على مثال له في
الفقه في الشبهة الحكميّة، وما ذكره من الدليل على الحكم بالإباحة ظاهرا
خاصّ بالموضوعيّة بقرينة«بعينه».
و ثانيا: أنّ جعل الحكم الظاهري مطلقا مشروط باحتمال موافقة الواقع، إذ هو
طريق إليه فلا بدّ من احتمال الإيصال فلا يمكن في المقام جعل الحكم، إذ
الحكم الظاهري مقطوع بعدمه في الواقع فلا يمكن الجعل الشرعي الظاهري أصلا.
[١]الوسائل ١٢: ٥٩، الباب ٤ من أبواب ما يكتسب به، الحديث ١ و٤.