غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٣٠١ - التنبيه الرابع في جريان البراءة في الشبهات الموضوعيّة
و لا
يخفى عليك ما فيه، فإنّ دليل الاستصحاب لم يشترط فيه كون المستصحب حكما
شرعيّا أو ذا أثر شرعي، وإنّما لوّح الأصحاب بأنّ الاستصحاب بما أنّه أمر
مجعول للشارع فلا بدّ من كون المستصحب أمرا قابلا للتعبّد الشرعي ولو كان
في مقام الامتثال، ولذا جرت قاعدتا التجاوز والفراغ في مقام الامتثال، فلا
بدّ من أن يكون مقام الامتثال قابلا للتعبّد الشرعي. وحينئذ فلا مانع من أن
يكون الاستصحاب في المقام محقّقا لذلك العنوان البسيط الموجود قبل فعل
المشكوك، إذ لا مانع من التعبّد بوجوده، فافهم.
نعم، ينبغي التفصيل بين صورة وجود العنوان البسيط بالترك للأفراد العرضيّة
أوّل الأزمان فيجري فيه الاستصحاب-إلاّ أنّا لا نحتاج العنوان البسيط حينئذ
لتحقّق الامتثال بتحقّقه حينئذ، فيجوز حينئذ إيجاد ذلك العنوان البسيط
وإعدامه- وبين أن يكون العنوان البسيط منتزعا من مجموع التروك العرضيّة
والطوليّة بحيث ينتزع العنوان البسيط آخر أوقات التروك ففي مثله لا يجري
الاستصحاب، لعدم اليقين بالعنوان البسيط حتّى يستصحب، ولا يجوز حينئذ فعل
المشكوك أصلا.
و قد فرّق الميرزا النائيني قدّس سرّه[١]في
الشبهة الموضوعية بين كون التكليف متعلّقا بأمر خارجي كـ: أكرم العالم،
فأجرى البراءة عند الشك في فرد لانحلال القضية إلى شرطية وحملية وهي: إن
وجد عالم فأكرمه، لأنّ القدرة من شرائط التكليف فلا بدّ من كون: إكرام
العالم، مقدورا وهو إنّما يكون بتحقّقه ووجوده خارجا وبين كون التكليف
متعلّقا بفعل المكلّف من دون تعلّقه بخارج ك: صلّ، فأجرى الاشتغال عند الشك
في الفردية زاعما تحقّق فعلية التكليف لعدم توقّفه على شيء ليس تحت قدرة
المكلّف فالشك إنّما هو في الفراغ بعد القطع بالتكليف.
[١]انظر فوائد الاصول ٣: ٣٩٢-٣٩٥، وأجود التقريرات ٣: ٣٤٦-٣٤٨.