غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٣٠٠ - التنبيه الرابع في جريان البراءة في الشبهات الموضوعيّة
و هناك
صورة رابعة: وهي أن تكون المصلحة قائمة بصرف الترك لفرد من أفراد الطبيعة،
ولا يضرّ في الامتثال إذا ترك فردا من أفرادها وإن أتى ببقيّة الأفراد
لتحقّق المطلوب بترك ذلك الفرد، إذ قد امتثل بتركه.
و لا يخفى عليك ما في عبارة الآخوند قدّس سرّه في قوله: والفرد المشتبه وإن
كان مقتضى أصالة البراءة جواز الاقتحام فيه إلاّ أنّ قضيّة لزوم إحراز
الترك اللازم وجوب التحرّز عنه ولا يكاد يحرز إلاّ بترك المشتبه[١]انتهى.
فإنّه قدّس سرّه إن أراد القسم الأخير -و هو أنّ المأمور به هو العنوان
البسيط المنتزع-فلا معنى لقوله: «و الفرد المشتبه وإن كان مقتضى أصالة
البراءة جواز الاقتحام فيه»إذ الفرد ليس موردا للتكليف، بل مورده الأمر
البسيط المنتزع من أفراد التروك لا أفراد التروك. وإن أراد مجموع التروك-و
هو القسم الّذي هو قبل الأخير، وهو الثاني من أقسام طلب الترك-ففي مثله لا
مجال لقاعدة الاشتغال، ولا يقتضي لزوم إحراز الترك وجوب التحرّز عنه،
لأنّه ينحلّ النهي إلى المنع عن أفراد معلومة، ولم يعلم توجّه النهي نحو
هذا الفرد المشتبه فهو مجرى البراءة، فافهم وتأمّل.
بقي الكلام في القسم الأخير الّذي ذكرنا أنّه لا بدّ من إحراز الترك ليقطع
بوجود العنوان البسيط المأمور به فلا بدّ من ترك المشتبه، نعم لو كان
العنوان البسيط متحقّقا قبل فله أن يرتكب الفرد المشكوك فرديّته فيشربه
مثلا اعتمادا على استصحاب العنوان البسيط.
و ربّما يقال بعدم جريان الاستصحاب في المقام، لأنّ المستصحب ليس حكما
شرعيّا ولا له أثر مجعول، إذ إنّ المستصحب عنوان بسيط ليس حكما شرعيّا،
وإنّما هو متعلّق لحكم شرعي ولا أثر شرعي له، إذ أثره براءة الذمّة وهو
عقلي.
[١]كفاية الاصول: ٤٠٣.