غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٢٨ - في الحسن والقبيح العقلييّن
إلى ما
يقترفانه باختيار هما سواء قطعا، وإنّما يختلفان بمصادفة الواقع في العاصي
دون المتجرّي، وهي أمر خارج عن اختيارهما، وحينذ فالذمّ والعقاب العقلائي
بالنسبة إليهما على حدّ سواء.
ثمّ إنّه بعد ما ظهر أنّ الفعل المتجرّى به قبيح عقلا فهل يحكم بحرمته شرعا
أم لا؟ الظاهر الثاني، وهو عدم حرمته شرعا. وحديث الملازمة-و هي كلّما حكم
به العقل حكم به الشرع-إنّما هي في غير صورة إدراك العقل الحسن والقبح، بل
في صورة إدراك العقل المصلحة والمفسدة الّتي هي في مرتبة علل الأحكام
الشرعيّة لا الحسن والقبح، فإنّه لا مجال لحكم الشرع حيث يكون المدرك هو
الحسن والقبح العقلييّن، فإنّ هذه القاعدة فيها غير مسلّمة قطعا، وإنّما
المسلّم من قاعدة«كلّما حكم به العقل حكم به الشرع»هي صورة إدراك العقل
لمصلحة الحكم، وحيث إنّ المصلحة الواقعيّة لا تكاد ينفكّ عن حكم شرعي آمر
بها يحكم الشرع حينئذ بالملازمة المذكورة لكنّ المقام مقام إدراك العقل في
مرحلة الامتثال، فإنّ العقل إنّما يدرك أنّ هذا العمل الّذي هو في مرحلة
الامتثال قبيح. وحينئذ فلا ملازمة بين هذا الحكم العقلي والحكم الشرعي، بل
لا يمكن أن يحكم الشارع هنا، لأنّه(لغو وذلك لأنّ الحكم الأوّلي إن كفى فلا
حاجة إلى الثاني، وإن لم يكف لم ينفع الثاني لعدم زيادته على الأوّل،
مضافا إلى أنّ الشارع)[١]إن حكم بحرمته:
فإمّا أن يحكم بحرمة خصوص ما قطع بحرمته قطعا مخالفا للواقع فيختصّ الحكم
بالتحريم بخصوص المتجرّي دون العاصي، لأنّ العاصي ليس قطعه مخالفا للواقع
بل مصادف للواقع. وهذا مع كونه بعيدا في نفسه لاستلزامه تحريم التجرّي دون
العصيان غير ممكن، لأنّ القاطع إن علم أنّ قطعه مخالف للواقع فليس قاطعا
حينئذ، وإن لم يعلم أنّ قطعه مخالف للواقع فلا يتنجّز التحريم عليه، بمعنى
لا يكون الحكم
[١]ما بين القوسين من إضافات بعض الدورات اللاحقة.