غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٢٠٠ - في الأدلّة العقليّة على حجّية مطلق الظنّ
أنّ
جملة من المشكوكات أيضا يحتمل كونها موارد للتكليف، فلا بدّ أن يأتي
بالمظنونات والمشكوكات حتّى يحصل له الظنّ بامتثال الأحكام الشرعيّة.
و ممّا ذكرنا ظهر لك أنّ المقدّمات على تقدير تسليمها فإنّما تنتج الكشف،
وأمّا حكومة العقل فلا، إذ لو لم يكتشف العقل جعل الشارع لا تصل النوبة إلى
جعل العقل؛إذ العقل ليس مشرّعا وجاعلا وإنّما هو مدرك، والعلم الإجمالي هو
بعينه يعيّن العمل بالظنّ من باب أنّ مقتضاه الاحتياط في جميع الأطراف،
فإذا فرض أنّه غير جائز فالاحتياط في بعض الأطراف-و هو المظنونات- لا دليل
على مبغوضيّته للشارع.
ثمّ إنّه بناء على تقرير المقدّمات بنحو الكشف فالنتيجة ليست حجّية مطلق
الظنّ، بل خصوص الظنّ الاطمئناني إن وفى بمقدار المعلوم بالإجمال، وإلاّ
فالأقلّ منه بمرتبة وهو قويّ الظنّ، ثمّ الظنّ العادي وهكذا، إذ اكتشاف
العقل حكم الشارع من باب قبح التكليف بدونه، فإذا ارتفع قبح التكليف بجعل
خصوص الاطمئناني لا يستكشف الجعل، إذ لا قبح حينئذ. بخلاف العمل بالاحتياط
من باب العلم الإجمالي، فإنّ عدم رضا الشارع المقدّس بالاحتياط الكلّي من
جهة إخلال النظام إنّما يمنع عن الاحتياط في جميع فروع الدين مثلا، لأنّه
لا يلغي نيّة الجزم بالوجه في جميع التكاليف، بل لا بدّ منها في بعضها.
فمقتضاه حينئذ لزوم الاحتياط في المشكوكات والمظنونات، إذ لم يثبت بغض
الشارع لهذا الاحتياط فالعلم الإجمالي يكون منجّزا بالنسبة إليه.
نعم، لو علم أنّ الاحتياط بهذا المقدار أيضا مستلزم لإخلال النظام عمل
بخصوص المظنونات، ويرجع في الباقي إلى الظنّ أو الاصول العمليّة، ولو
استلزم ذلك أيضا عمل بخصوص القويّ منها.
و قد ظهر من جميع ما ذكرنا عدم إمكان تقرير المقدّمات بنحو الحكومة أصلا،
إذ حكم العقل لا معنى له، لأنّ العقل ليس شأنه الجعل والتشريع وإعطاء صفة
الطريقيّة