تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٥٢ - المسألة السادسة
انكشاف جميع الأشياء على ذاته في الأزل على وصف الوجوب الذاتي مقدسا عن التغيّر- و أدناها ما هو عين الممكنات و يجري فيه التغيّر و الإمكان و الاختبار و الابتلاء و غيرها من سمات الحدثان، و لكن بالقياس إلى ما في هذه الدرجة من الموجودات- لا بالقياس إلى ذاته الأحديّة.
و هذا مما يحتاج دركه على التحقيق إلى علوم كثيرة مع نور بصيرة، و يمكن إدراكه على سبيل التقريب بأن اللّه عز و جل خلق عباده ليستعبدهم بالتكليف، و ركّب فيهم العقول و الشهوات، و أزاح العلّة في أقدارهم و تمكينهم، و هداهم النجدين، و وضع في أيديهم زمام الإختيار و أراد منهم الخير و التقوى، فهم في صورة المرجّو منهم أن يتّقوا لترجيح (لترجّح- ن) خيرهم على شرّهم، و هم مختارون بين الطاعة و العصيان كما ترجّحت حال المرتجي بين أن يفعل و أن لا يفعل، و مصداقه قوله تعالى: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [١١/ ٧] و إنما يبلو و يختبر من يخفي عليه العواقب و لكن لمّا كان بناء الأمر على الإمكان و الاختيار و القوّة و الصحّة- دون الإلجاء و الاضطرار- أطلق لفظ «الترجّي» من هذا الوجه، و إن كان بناء أمرهم بحسب الأسباب القصوى و صورة ما في الكتاب و القضاء هو التحقيق.
و هذا مستقيم سواء تعلق قوله: «لعلّكم» ب «خلقكم» او ب «اعبدوا» و حمله على «أن يخلقكم راجين للتقوى» ليس بسديد أصلا.
و قيل: «لعلّ» قد يجيء بمعنى «كي» و وجّه بأنها للإطماع، و قد جاءت على سبيل الإطماع في مواضع من القرآن، و لكن لأنّه إطماع من كريم رحيم إذا أطمع في فعل يجري إطماعه مجرى وعده المحتوم وفاؤه به، و أيضا فمن ديدن الملوك أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطّنون أنفسهم لانجازها على أن يقولوا عسى و لعلّ، مثل قوله تعالى: عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً [٧٩/ ١٧] و حينئذ لا يبقى لطالب ما عندهم شك في الفوز و النجاح بالمطلوب.
او جاء على طريق الإطماع دون التحقيق لئلا يتّكل العباد مثل تُوبُوا إِلَى