تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٥٠ - المسألة الرابعة
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها* وَ قَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها [٩١/ ١٠].
ثمّ نقول: إن المريض إذا خالف أمر الطبيب و تمادى به المرض فبالحقيقة لم يتماد مرض الممراض بمخالفة الطبيب لأجل عين المخالفة، بل لأنّه سلك غير طريق الصحّة التي أمره الطبيب به، فكذلك التقوى الذي أشار إليه قوله تعالى لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ هو الاحتماء الذي ينفي عن القلوب أمراضها، و أمراض القلوب تفوّت حيوة الآخرة كما تفوّت أمراض الأجساد حيوة الدنيا.
فهكذا ينبغي أن يفهم أمر التكاليف فإن الطاعات أدوية نافعة، و المعاصي سموم ناقعة، و تأثيرها في القلوب كتأثير هاتين في الأبدان، لا ينجو إلا من أتى اللّه بقلب سليم، كما لا يسعد هاهنا إلا من أتى بمزاج معتدل، و كما يصح قول الطبيب للمريض:
«قد عرّفتك ما يضرّك و ما ينفعك، فإن وافقتني فلنفسك، و إن خالفتني فعليها» كذلك قال: مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها [١٧/ ١٥].
و أما العقاب على ترك الأوامر و ارتكاب الخطيئات فليس ذلك من اللّه غضبا و انتقاما على نحو غضبنا و انتقامنا، بل لأنه رتّب الأسباب على المسبّبات، فخلق نفس الإنسان على وجه يكمّلها و ينجيها الفضائل، و يهلكها و يشقيها الرذائل، و اللّه تعالى غير عاجز عن الإشباع من غير أكل، و الإرواء من غير شرب، و الإنشاء للولد من غير مضاجعة و وقاع، و لكن قد رتّب الأسباب و المسبّبات لحكمة خفيّة لا يعلمها إلّا اللّه و الراسخون في العلم.
هذا ما ذكره بعض العلماء و به يخرج الجواب أيضا عن الشبهة الثالثة لمنكري التكاليف.