تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٨ - فصل آخر كان الملائكة سائلين، لا معترضين
و بقوله ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ [٣٨/ ٧٥] ليعلموا إنّ استحقاق تلك الخلافة ليس بكثرة الطاعة، و لكن مالك الملك يؤتى الملك من يشاء.
و لمّا تفاخر الملائكة بطاعتهم على آدم من اللّه تعالى على آدم بعلم الأسماء ليعلموا إنّهم أهل الطاعة و الخدمة، و إنّه أهل الفضل و المنّة؛ و أين أهل الخدمة من أهل المنّة؟! فبتفاخرهم على آدم صاروا ساجدين له، ليعلموا إنّه مستغن عن طاعتهم و بمنّته على آدم صار مسجودا له ليعلموا إنّ الفضل بيد اللّه يؤتيه من يشاء.
فصل آخر [كان الملائكة سائلين، لا معترضين]
قوله: قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ استكشاف عمّا خفي عليهم وجه حكمته كأنهم قالوا: «إلهنا- أنت الحكيم الذي لا يفعل السفه، فما وجه الحكمة في جعل جوهر أرضي خليفة فيها و هو مصحوب لقوّة شهوية شأنها الشر و الإفساد و لقوة غضبية شأنها الإهلاك و سفك الدماء، فان النفس إذا انقادت لإحديهما سلكت بها مسلك الفساد و الجور و الظلم؟
او تعجب من أن يستخلف لعمارة الأرض و إصلاحها من يفسد فيها مع وجود من هو بريء من الشرور و المفاسد بالكلية، كطبقة الملائكة المعصومين عن المعاصي المسبحين بحمده و المقدسين له. و ليس هذا باعتراض على اللّه في فعله، او طعن في بني آدم على وجه الغيبة او تزكية لأنفسهم على وجه الافتخار و الإزراء بغيرهم- حاشا ملائكة اللّه عن ذلك- و قد وصفهم اللّه بأنهم عِبادٌ مُكْرَمُونَ* لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [٢١/ ٢٦- ٢٧].
و أمّا علمهم بما ذكروه و حكمهم بذلك على بني آدم فليس مما استنبطوه بالقياس- كما توهّم من أنهم قاسوا أحد الثقلين على الآخر حيث أسكنوا الأرض