تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٦ - فصل الأسرار في خلق الإنسان
طينتنا مودعة، في جبلّتنا مركوزة، فلا نأمن عن مكر أنفسنا الامّارة بالسوء، و لا نعتمد عليها و ما نبرئها كما قال تعالى عن قول يوسف عليه السّلام: وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي [١٢/ ٥٣].
و منها لنعلم إن كلّ عمل صالح نعمله ذلك بتوفيق اللّه تعالى إيّانا و فضله و رحمته، و كلّ فساد و ظلم نعمله هو من شؤم طينتنا و خاصيّة طبيعتنا، كما قال تعالى:
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَ ما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [٤/ ٧٩] و كلّ فساد لا يجري علينا و لا يصدر منّا، فذلك من حفظ الحقّ و عصمته و رحمته، لقوله تعالى:
إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي [١٢/ ٥٣].
و منها لنعلم إن استعداد أمر عظيم فينا، و فينا شأو جسيم ليس للملائكة به علم، و هو سرّ الخلافة، فلا نتغافل عن هذه السعادة و لا نتقاعد عن هذه السيادة، و نسعى في طلبها حقّ السعاية.
و منها لنعلم إنّ اللّه تعالى من فضله و كرمه قد قبلنا بالعبوديّة و الخلافة، و قال من حسن عنايته في حقّنا مع الملائكة المقرّبين إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ لكيلا نقنط من رحمته و ننقطع من خدمته.
و منها إنّ الملائكة قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ لأنّهم نظروا إلى جسد آدم قبل نفخ الروح فيها، فشاهدوا بالنظر الملكي في ملكوت جسده المخلوق من العناصر الأربعة المضادّة صفات بشريّته البهيميّة و السبعيّة التي تتولّد من تركيب أضداد العناصر، كما شاهدوها في أجساد الحيوانات و السباع الضاريات بل عاينوها- فإنّها خلقت قبل آدم- فقاسوا عليها أحواله بعد أن شاهدوها و حقّقوها و هذا لا يكون غيبا في حقّهم، و إنّما يكون غيبا لنا، لأنّنا ننظر بالحسّ، و الملكوت يكون لأهل الحسّ غيبا، و منّا من ينظر بالنظر الملكوتي، فيشاهد الملائكة و الملكوتيّات بالنظر الروحاني، كما قال تعالى: وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [٦/ ٧٥] و قال: أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ.