تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٧ - فصل الأسرار في خلق الإنسان
[٧/ ١٨٥] و حينئذ لا يكون غيبا.
فالغيب ما غاب، و ما شاهد فيه فهو شهادة؛ فالملكوت للملائكة شهادة، و الحضرة الإلهيّة لهم غيب؛ و ليس لهم الترقّي إلى تلك الحضرة؛ و إنّ للإنسان صورة من عالم الشهادة المحسوسة، و روحا من عالم الغيب الملكوتي، و سرّا مستعدّا لقبول فيض النور الإلهي بلا واسطة؛ فبالتربية يترقّي من عالم الشهادة إلى عالم الغيب- و هو الملكوت- و بسرّ المتابعة و خصوصيّتها يترقّي من عالم الملكوت إلى عالم الجبروت و العظموت- و هو غيب الغيوب- فيشاهد بنور اللّه المستفاد من سرّ المتابعة أنوار الجمال و الجلال، فيكون في خلافة الحقّ عالم الغيب و الشهادة، كما إن اللّه عالم الغيب و الشهادة فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً أي الغيب المخصوص- و هو غيب الغيب- أحدا- يعني من الملائكة إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [٧٢/ ٢٧] يعني من الإنسان.
فهذا هو السرّ المكنون المركوز في استعداد الإنسان الذي كان اللّه يعلمه منه و الملائكة لا يعلمون كما قال: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ.
و منها إنّ الملائكة لما نظروا إلى كثرة طاعتهم و استعداد عصمتهم و نظروا إلى نتائج الصفات النفسانية استعظموا أنفسهم و استصغروا آدم و ذريّته، فقالوا:
أَ تَجْعَلُ فِيها- أي: في الأرض- خليفة مع انه يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ فنحن مع هذه الصفات أحقّ بالخلافة منه كما قال بنو إسرائيل حين بعث اللّه لهم طالوت ملكا قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَ لَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ فأجابهم اللّه تعالى بأنّ استحقاق الملك إنّما هو بالاصطفاء و البسطة في العلم و الجسم و قال: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ [٢/ ٢٤٧].
فكذلك هاهنا أجابهم اللّه بقوله: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ إجمالا، ثمّ فصّله بقوله إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً [٣/ ٣٣] و بقوله: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها