تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٦٤ - تذكرة فيها تبصرة خلق الأعمال
كالحرارة للنار ٨٦، و البرودة للماء و اليبوسة للأرض، و الرطوبة للهواء- و صفة الإنسان في هذا العالم ٨٧- و ما يجري مجراه من الحيوان- هو الاختيار لما له أن يفعل بهذا الاختيار بالنسبة إلى الإنسان.
فعلى هذا- فالجواب عمّا ذكروه أولا بالمنع عن قولهم: «لم تكفرون؟» بمنزلة: «لم تسودّون؟» و ذلك لأنّ الكافر الأسود، ليس في اسوداده مختارا في عين الإجبار كما في كفره، فإنّ كفره وقع باختياره، بخلاف سواده.
و عمّا ذكروه ثانيا: إنّ اللّه لم يرد من عباده أولا و بالذات الكفر- بل ثانيا و بالعرض- كما قال: وَ لا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ [٣٩/ ٧] و قوله: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [٢/ ١٨٥].
فقد ثبت بالحكمة إن الخير برضاه و قضاه جملة و تفصيلا، و الشرّ بقضائه جملة ٨٨ و بقدره تفصيلا، فالإرادة الأوليّة الرضائيّة ٨٩ تؤدي إلى الخير الكلّي ٩٠ و النظام الأعلى بالقياس إلى العوالم كلّها بحسب الأنواع ٩١، و الإرادة الثانويّة القدريّة الجزئيّة تؤدّي إلى الخير و السعادة لطائفة بالقياس إلى عالم، و إلى الشرّ لطائفة اخرى بالقياس إلى عالم آخر، كما
في الحديث الإلهي [١]: «هؤلاء للجنّة و لا أبالي، و هؤلاء للنار و لا أبالي»
و قوله تعالى: وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلَّا مَنْ رَحِمَ [١١/ ١١٩]. ٩٢ ٩٣ و أمّا التوبيخ و التخويف و الزجر و الإيعاد و ما يقابلها- من التحسين و النصيحة و التعظيم و البشارة و الوعد و غير ذلك- فهي من جملة الأسباب القدريّة و من المهيّجات للدواعي و الأشواق، و البواعث على الأغراض و الحركات كسائر الأمور القدريّة الواقعة تحت الأسباب القريبة ٩٤ التي للاختيار فيها مدخل- كما مرّ مرارا.
و أمّا عمّا ذكروه ثالثا فبأنّ هذه الأفعال- كالكفر و الإفك و الصرف و الإعراض- لها وجهان: وجه إلى الأسباب و الدواعي الكلّية العالية، و وجه إلى الدواعي و الأسباب القريبة كإرادة العبد و قدرته و شوقه و داعيته، سيّما قدرته التي
[١] جاء ما يقرب منه في البحار: ٥/ ٢٣٠ و ٢٥٣. و المسند: ٥/ ٢٣٩ و ٦٨.