تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٦٦ - تذكرة فيها تبصرة خلق الأعمال
لأنّ من أساء علمه او أخطأ في اعتقاده فإنّما ظلم نفسه بظلمة جوهره و سوء استعداده و كان أهلا للشقاوة في معاده- كما سبق- لكن يعلم بقوّة إيمانه إن سلسلة الأسباب لا بدّ و أن يعود إلى الأمور الإلهيّة القضائية، كما قال تعالى: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [٣٦/ ٧] و قوله: وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ [١١/ ١١٩].
فالكفر و المعاصي منسوبة إلى العبد لا بمعنى خلق الأفعال، و هي منسوبة إليه تعالى لا بمعنى الإلجاء و القسر- بل كما عرفت مرارا.
و أما عن الخامس: فإنّ الوارد من اللّه على الخلق كلّهم أمر واحد و فيض [فارد] و الإختلاف إنّما يكون بحسب القوابل و المستعدّات، و إن النازل كلّه نور و رحمة، و لكن ينقلب في حقّ بعضهم ظلمة و آفة و محنة، مثل قوله: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها [١٣/ ١٧] و قوله: يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [١٣/ ٤].
و كلّ ما فعله اللّه أولا بأهل الايمان فعله بأهل الكفر من نعمة الخلق و الإحياء و العقل و التكليف و الهداية و الدعوة بالآيات، و إرادة طريقي الخير و الشر، و النفع و الضرّ و غير ذلك، فصار الكلّ سببا لقرب هؤلاء و منشأ لبعد هؤلاء و لا يزالون مختلفين- فما صنعه تعالى بهما جميعا في الدنيا هو معدود من نعم اللّه التي أعطاها لعباده- و أن انقلب بعضها في حقّ البعض نارا محرقة و سموما مهلكة- لحرقة في قلوبهم- و تغيّظا و زفيرا في صدورهم، و لهذا صحّ قوله تعالى فيهم: كَيْفَ تَكْفُرُونَ و يعذّبون بالنار و قد أنعم اللّه عليكم بمثل هذه النعم العظيمة التي أنعمها على المتّقين، و قد صارت وقاية لهم من عذاب الجحيم و ألم الحميم.
و أما الجوابان اللذان ذكرهما من قبل الأشاعرة فإنّها و إن حصل بهما الإلزام للمعتزلة لكن لا يفي بدفع الإشكال و حلّ عقدة الإعضال عنهم أنفسهم، لأنّ الذي ذكره.