تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٦٢ - تذكرة فيها تبصرة خلق الأعمال
لأنّ الفاعليّة لو لم تتوقّف على الداعية لزم وقوع الممكن من غير مرجّح- و هو نفي الصانع- [و لو توقّفت لزم الجبر] [١] و اثبات الرسول يلجئ إلى القول بالقدر، لأنّه لو لم يقدر العبد على الفعل، فأيّ فائدة في بعث الرسل و إنزال الكتب؟ أو نقول: لمّا راجعنا [٢] إلى الفطرة السليمة وجدنا إن ما استوى الوجود و العدم بالنسبة إليه لا يترجّح أحدهما على الآخر إلّا لمرجّح- و هذا يقتضي الجبر- و نجد تفرقة ضروريّة بين حركات الإنسان و سكناته و بين حركات الجمادات و الحركات الاضطراريات، و هذا يقتضي مذهب الاعتزال، فلذلك بقيت هذه المسألة في حيّز الاشكال»- انتهى.
و من كان هذا حاله في مثل هذه المسألة التي هي إحدى قواعد الايمان و عليها مبني كثير من المقاصد التي يضرّ الجهل بها للإنسان، فمعلوم من حاله إنّه متحيّر في جلّ المقامات اليقينيّة- بل كلّها- فما الفائدة له في تكثير التصانيف و تطويل المباحث و الأقاويل، و نحن نعلم يقينا إن اللّه لم يجعل طلب العلوم و المعارف مركوزا في جبلّة الخلق إلّا لغاية يترّتب عليها هي تنوير القلوب بأنوار المعارف، و تنجية النفوس عن ظلمات الجهالات و سياقها إلى دار القدس و الكرامة، و لأجلها بعث اللّه الرسل و أنزل الكتب.
و
في الحديث: [٣] «من أخلص اللّه أربعين صباحا ظهرت من قلبه على لسانه ينابيع الحكمة»
و قد سمّى اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه و آله نورا و هاديا، و جعل كتابه نورا و هدى في قوله:
قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ* يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [٥/ ١٥- ١٦] و قال: ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ [٦/ ٨٨] فمن حاول العلم مدّة مديدة و صرف عمره في تحصيله، ثمّ لم يكن على بصيرة و لم يأت بحاصل و لم يرجع إلى طائل، فضلّ سعيه في الحيوة الدنيا و ماله في العلم و اليقين نصيب.
[١] الاضافة من المصدر.
[٢] الصحيح «رجعنا» كما في المصدر، و اضافة الالف تصحيف من النساخ.
[٣] راجع البحار: ٧٠/ ٢٤٢ و الكافي: ٢/ ١٥ و حلية الأولياء: ١٠/ ٧٠.