تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩٠ - فصل في قوله تعالى و هم فيها خالدون
الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ [٢٧/ ٨٨].
نعم- يمكن دوامها من جهة الإمداد العلوي و الإيجاد الفاعلي- إمدادا بعد إمداد و إيجادا بعد إيجاد.
و الحقّ إنّ الحافظ للمزاج- أيضا- و المديم لأجزاء المركّب عن التبدّد و الافتراق ليس صور تلك الأجزاء كلّا، لأنها متداعية إلى الانفكاك، مقتضية للحركة إلى أحيازها الطبيعيّة، و إنّما هي مجبورة بقسر قاسر، و جبر جابر سلّطه اللّه عليها، يجبرها على الالتيام، و يمنعها عن الافتراق و الانهزام، و هي صورة، أو نفس، أو ملك جسمانيّ متعلق بها، حافظ لها و مبق إيّاها- لا بالعدد، بل بالنوع- و نوعيّتها و تجدّدها العددي لا ينافي شخصيّة المركّب و بقائه بالصورة، لأنّ مناط الشخصيّة بالصورة- لا بالمادّة.
فالحيوان- مثلا- بدنه في التحلّل و الذوبان لعكوف الحرارة الغريزية و الغريبية و نار الطبيعة على تحليلها و إذا بتها ما دام حياته، و مع ذلك شخصيّته باقية تلك المدّة بالصورة الحيوانيّة، و هي نفسه أو أمر آخر؛ لكن الفاعل المديم إن كان أمرا قائما بالجسم في وجوده أو في فاعليّته فلا يمكن دوامه بالشخص- و إلّا فيمكن، و لهذا يجب الحشر فيما يحتمل البقاء من النفوس.
فالصواب أن يقال في كيفيّة بقاء الأبدان الاخرويّة و صيرورة هذه تلك مع انحفاظ الشخصيّة بالعدد: إنّ العبرة في ذلك بالنفس- لا بالبدن- فالنفس باقية، حافظة للبدن.
أمّا في الدنيا فبايراد البدل عليه لانضياف الأجسام الغذائية إليه.
و أمّا في الآخرة فبإنشاء النشأة الآخرة بمجرّد التصورات و الجهات الفاعليّة، فإنّ إنشاء الجسم و تصويرها- لا عن مادّة و حركة بل بمجرّد التصوّر- من ديدن القوى المجرّدة، فإنّ وجود الأفلاك عن مباديها من الملائكة الفعّالة بإذن اللّه من هذا