تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٨٩ - فصل في قوله تعالى و هم فيها خالدون
ذلك تكرارا؛ و لذلك قيل للأثافي و الأحجار «خوالد» و للجزء الذي يبقى من الإنسان على حاله ما دام حيّا «خلد» و يستعمل أيضا فيما لا دوام له، كقولهم: «وقف مخلّد» و الاشتراك و المجاز خلاف الأصل و لا يلزم شيء منهما إذا كان موضوعا للأعمّ فاستعمل في الأخصّ من جهة اندراجه تحت الأعمّ، كاطلاق الجسم على الإنسان.
و المراد به هاهنا المعنى الأخصّ، لدلالة الآيات و الأخبار و شهادة العقل على أنّه بمعنى الدوام الذي لا ينقطع، و إلّا لكان خوف الانقطاع ينغضّ عليهم تلك النعمة و كلّما كانت النعمة أعظم كان خوف انقطاعه أشدّ، فيلزم أن لا ينفكّ أهل الثواب البتّة عن الغمّ و الحسرة؛ و الجهل بسوء العاقبة او عدمها غير جائز عليهم، لأنّ الدار دار اليقين لا دار الشكّ و التخمين- فضلا عن اعتقاد خلاف الحقّ.
و اعترض هاهنا بأنّ الأبدان مركّبة من أجزاء متضادّة الكيفية، معرضة للاستحالات و الانقلابات المؤدّية إلى الانفكاك و الانحلال، فكيف يعقل خلودها في الجنان؟
و أجاب بعضهم عنه بأنّه تعالى يعيدها بحيث لا يعتريها الاستحالة، و لا يعتورها الانفساد، بأن يجعل أجزاؤها متقاومة في الكيفية متساوية في القوّة، لا يقوى شيء منها على إحالة الآخر متعانقة لا ينفكّ بعضها عن بعض، كما يشاهد في بعض المعادن.
و هذا الجواب في غاية الضعف، فإنّ تجويز كون الأجزاء العنصريّة غير قابلة للاستحالة و الانقلاب خروج بها عن طبائعها الأصلية، و استحكامها في المزاج- كبعض المعدنيّات- لا يفيد التأبيد، و التساوي في الكيفية و القوّة بحسب الاعتدال الحقيقي- على تقدير إمكانه و حدوثه- ممّا يستحيل بقاؤها أبدا لتناهي الأفاعيل و الانفعالات القوى الجسمانية- كما برهن في مقامه، لا سيّما و قد حقّقنا في موضعه إن الجواهر الطبيعيّة المادّية كلّها لازمة السيلان و التجدّد، غير منفكّة عن الانتقال و الحدثان في كلّ آن بحسب جوهرها و طبيعتها، كما في قوله [تعالى]: وَ تَرَى