تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٧١ - فصل
قال الشيخ محيي الدين في الباب الحادي و الستّين من الفتوحات المكيّة [١] في معرفة جهنّم و أعظم المخلوقات عذابا فيها: «اعلم عصمنا اللّه و ايّاك- إن جهنّم من أعظم المخلوقات، و هي سجن اللّه في الآخرة ... و سمّيت جهنم لبعد قعرها، يقال: « [بئر] جهنّام» إذا كانت بعيدة القعر، و هي تحوي على حرور و زمهرير، ففيها البرد على أقصى درجاته، و الحرور على أقصى درجاته، و بين أعلاها و قعرها خمس و سبعون مائة من السنين.
و اختلف الناس فيها و في خلقها «هل خلقت بعد أم لم تخلق؟» و الخلاف مشهور فيها و كذلك اختلفوا في الجنّة، و أمّا عندنا و عند أصحابنا أهل الكشف و التعريف فهما مخلوقتان، غير مخلوقيتين.
و أما قولنا: «مخلوقة» فكر جل أراد أن يبني دارا فأقام حيطانها كلّها الحاوية عليها خاصّة، فيقال: «بنى دارا» فإذا دخلتها لم ير إلّا سورا على فضاء و ساحة، ثمّ بعد ذلك ينشئ بيوتها على أغراض الساكنين فيها من بيوت و غرف و سراديب و مهالك و مخازن و ما ينبغي أن يكون فيها مما يريد الساكن أن يجعل فيها من الآلات التي تستعمل في عذاب الداخل فيها.
و هي دار حرورها هواء محرق [٢] لا جمر لها سوى بني آدم و الأحجار المتّخذة آلهة، و الجنّ لهبها، قال تعالى: وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ [٢/ ٢٤] و قال:
إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ [٢١/ ٩٨] و قال تعالى: فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ الْغاوُونَ* وَ جُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ [٢٦/ ٩٤- ٩٥] و تحدث فيها الآلات بحدوث أعمال الجنّ و الإنس الذين يدخلونها.
و أوجدها اللّه بطالع الثور، و لذلك كان خلقها في صورة الجاموس هذا الذي يعوّل عليه عندنا، و بهذه الصورة رآها ابو الحكيم بن برجان [٣] في كشفه، و قد تمثّل
[١] الفتوحات: ١/ ٢٩٧- و فيه اختلافات يسيرة.
[٢] المصدر: المحترق.
[٣] المصدر: ابو الحكم بن برجان.