تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٩ - المسألة الرابعة
ملطّخة بالأخباث النفسانية كالشهوة و الغضب و الأكل و الجماع و النوم و الهمّ و الغمّ و ما يجري مجراها من خطرات الوهم و هواجس النفس و غير ذلك.
و ليس أيضا اشتغال القلب باللّه و التشوّق إليه ممّا يمكن حصوله إلّا عقيب العبادات، و بعد إطالة النظر في تحصيل المعارف الإلهيّة، لا كما زعمه عوام الصوفيّة و غيرهم، فأنّى يتيسّر ذلك إلّا بعد إقامة مراسم العبوديّة و إطاعة أوامر الشريعة و نواهيها.
المسألة الرابعة
إن مخالفة التكاليف و ترك العبادات من العبد لما ذا يصير منشأ للعذاب و باعثا له تعالى على العقاب، مع أن ذاته مستغن عن طاعة العبد، منزّه عن لذّة الانتقام، متعال عن الغرض الحاصل له من تعذيب المجرم و الإيلام؟
و الجواب: إن تكليف اللّه عباده يجري مجرى تكليف الطبيب، فإذا غلب عليه الحرارة أمره بشرب المبرّدات، و هو غنيّ من شربه لا يضرّه مخالفته و لا ينفعه موافقته كما اعترف به المعترض و يساعدنا عليه، و لكن النفع و الضرّ يرجعان إلى المريض و يلزمان لأفعاله، و إنما الطبيب مرشد فقط، فإن وفّق المريض حتى وافق الطبيب يشفى و يتخلّص من الم المرض، و إن لم يوفّق و خالف تمادى به المرض و هلك؛ و بقاؤه و هلاكه سيّان عند الطبيب لاستغنائه عن بقائه و فنائه.
فكما إنّ اللّه خلق للشفاء سببا مفضيا إليه فكذلك للسعادة الأخرويّة سببا و هو الطاعة و نهي النفس عن الهوى بالمجاهدة المزكية لها عن رذائل الأخلاق، و رذائل الأخلاق مشقيات للنفس، مهلكات في الآخرة، كما إنّ رذائل الأخلاط ممرضات للبدن في الدنيا، و المعاصي بالإضافة إلى حيوة الاخرة كالسموم بالاضافة إلى الحيوة الدنيا، و للنفوس طبيب كما إن للأجساد طبيبا، و الأنبياء عليهم السلام أطبّاء النفوس، يرشدون الخلق إلى طريق الفلاح بتمهيد التكاليف المزكية للقلوب كما قال تعالى