تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٦٢ - فصل الحكمة و الحكيم
و أسرف الملك لذي القرنين فانقمع به الشرك في بلاده.
فهؤلاء الخمسة المذكورين كانوا يوصفون بالحكمة. ثمّ لم يسمّ أحد بعد هؤلاء «حكيما» بل كلّ واحد منهم ينسب إلى صناعة من الصناعات، أو سيرة من السير، مثل بقراط الطبيب، و أوميروس الشاعر، و أرشميدس المهندس، و ديوجانس الطبيب [١]، و ذيمقراطيس الطبيعي.
و قد تعرّض جالينوس في زمانه حين كثرت تصانيفه لأن يوصف بالحكمة- أعني أن ينقل عن لقب الطبيب إلى لقب الحكيم- فقالوا: عليك بالمراهم و المسهلات و علاج القروح و الحميّات، فإنّ من شهد على نفسه على أنّه شاكّ في العالم «أ قديم، أم حادث؟» و في المعاد «أحقّ هو أم باطل» و في النفس «أ جوهر، أم عرض؟» تتّضع درجته من أن يسمّ حكيما.
قال بعض العلماء: «و العجب من أهل زماننا إنّهم متى رأوا إنسانا قرء كتاب أقليدس، و ضبط أحوال المنطق و صفوه بالحكمة- و إن كان خلوا من العلوم الإلهيّة، حتّى أنّهم ينسبون محمد بن زكريّا الرازي لمهارته في الطبّ إليها.
و لقد كان أحمد بن سهل البلخي مع براعته في أصناف المعارف و أبواب الدين متى نسبه أحد من موقّريه إلى الحكمة يشمئزّ منه و يقول: «يا لهفي من زمان ينسب فيه ناقص مثلي إلى شرف الحكمة، كأنّهم لم يسمعوا قول اللّه عزّ اسمه:
مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ [٢/ ٢٦٩].
[١] في محبوب القلوب: ديوجانس الكلبي.