تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٩ - حكمة مشرقية سر خلافة الإنسان لله تعالى
فأفسدوا فيها قبل سكنى الملائكة، لتعاليهم عن الظنّ رجما بالغيب- بل إنّما عرفوا ذلك بوحي اللّه، او باطّلاعهم على ما في اللوح المحفوظ، أو بما ارتكز في عقولهم من أن العصمة من المعاصي و الشرور كلّها من خواصّهم فأجابهم اللّه عمّا استخبروه بقوله: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ.
حكمة مشرقية [سرّ خلافة الإنسان للّه تعالى]
و اعلم إنّ سرّ خلافة الإنسان للّه من غوامض العلوم التي لم يمكن الإطّلاع عليها إلا بتوقيف اللّه عباده عليها بالوحي أو ما ينتمي إليه.
و يمكن تقرير شبهة الملائكة و استخبارهم على وجه آخر، و هو إنّ الإنسان قد اختصّ بتشريف الخلافة و مسجوديّة الملائكة من بين سائر الموجودات من الأملاك و الأفلاك، و جميع من في طبقات السموات و الأرض و الجبال، و هو مع ذلك مخلوق من التراب، و في أول خلقته كان أنزل رتبة من الجواهر السماويّة و الأرضيّة و ما في المعادن و الجبال، إذ كان أضعف وجودا و أخسّ جوهرا من كلّ جوهر عقلي او نفساني او طبيعي، فكيف فاق على الأقران، و جاوز رتبة النبات و الحيوان، و مرّ على طبقات السموات بنفوسها و عقولها حتى صار خليفة الرحمن، واسطة بين اللّه و بين ما سواه- بعد أن كان في عداد الحشرات و الديدان ممنوا بآفة الشهوة و الغضب كالأسد و الأرنب؟! و كيف اختصّ هو بذلك الشرف و القرب- دون غيره- و ما من غير إلّا و قد كان مثله وقتا؟
أمّا المعادن فقد كان الإنسان مثلها وقتا؛ و أمّا النباتات فقد نزل قبل الحيوانيّة في درجتها؛ و أمّا الحيوانات فهو بما هو حيوان من أصنافها، و إنّما فاز بالنفس الناطقة بعد التجاوز عمّا في مرتبتها؛ و أمّا السماويّات فما من طبقة من طبقاتها إلّا و قد مكث فيها الإنسان الكامل قليلا او كثيرا، ثمّ جاوزها حتّى بلغ منتهاها و وصل إلى غاية