تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٦٥ - تذكرة فيها تبصرة خلق الأعمال
يتساوى بالنسبة إليها الطرفين.
فالسؤال بكيف، و لم و أين و أنّى و بسائر الكلمات الاستفهامية عمّن لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في السماء و الأرض و لا يخرج عن قدرته و سلطانه شيء من عالمي الملك و الملكوت إنّما يكون بالقياس إلى الأسباب القريبة المكتنفة بفعل العبد، و بالنظر إلى العلوم الحادثة الزمانيّة المتجدّدة حسب تجدّد الأحوال و الآجال و الأمكنة و الأوضاع؛ و أما بالقياس إلى ذات اللّه القيّوم و علمه المحيط بالكلّ فلا كيف و لا أين و لا متى و لا وضع و لا لمّية، لأنّ هناك اضمحلّت الكثرات و طاحت الايون و الإشارات و هلكت الأوضاع و الكيفيّات، فيصير الكلّ كلا شيء، و الأمكنة تتضائل من قهره كنقطة واحدة، و الأزمنة تنزوي بعضها إلى بعض من سطوته و هيبته، فتصير كآن واحد.
و أما عن الرابع: فبمثل ما وقع الجواب عن شبه إبليس المذكورة عنه، المنسوبة إليه في شرح الأناجيل الأربعة [١]، فإنّه قد ذكر هناك: «قد أوحى اللّه إلى ملائكته عليهم السلام قولوا له: إنّك غير صادق فيما تقول و لا مخلص، إذ لو صدقت أنّي إله العالمين ما تحكمت (احتكمت- ن) على بلم».
فهيهنا أيضا نقول: لو علم- هذا المفروض كافرا- إن علم اللّه و إرادته و قدرته و مشيئته و قضائه و قدره و خلقه هي جارية في هذا العالم، حاكمة على كلّ شيء، و إنّ اللّه تعالى لا رادّ لحكمه، و لا مهرب من قضائه و حكومته، و لا منجى من سطوته و لا ملجأ من سلطانه، فلم يكن هذا المفروض كافرا كافرا، بل مؤمنا حقّا، فإن من علم كيفيّة جريان إرادة اللّه و قضائه في عالمنا هذا بوجه عقليّ برهانيّ فلم يكن ممّن ينسب الكفر و المعاصي و الشرور من حيث هي شرور و أعدام و نقائص و قوى و ملكات- إلّا إلى الأسباب القريبة الجسمانيّة، و الاستعدادات الرديئة الظلمانيّة.
[١] راجع تفصيل الشبه في الملل و النحل للشهرستانى: المقدمة الثالثة، و قد نقله المصنف مفصلا في تفسيره لآية الكرسي: ٢٥٥.