تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٦٠ - تذكرة فيها تبصرة خلق الأعمال
كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ موبّخا لهم، كما لا يجوز أن يقول: «كيف تسودّون و تبيضّون و تسقمون و تصحّون؟» لأنّ الجميع من خلقه.
و ثانيها: إذا كان خلقهم أولا للشقاء و النار و ما أراد منهم إلّا الكفر فكيف يوبّخهم عليه؟
و ثالثها: كيف يليق بالحكيم إيجاد الكفر فيمن يقول لهم: كَيْفَ تَكْفُرُونَ توبيخا و منع الايمان عمن يقول في حقّهم: وَ ما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا [١٧/ ٩٤] فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [٨٤/ ٢٠] و أنّى يصحّ أن يقول: فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ [٧٤/ ٤٩] و فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [١٠/ ٣٤] و فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [١٠/ ٣٢] و هو يخلق فيهم الإعراض و الإفك و الصرف، لأنّه ممّا يشبه السخريّة دون الحكمة أو الإلزام.
و رابعها: إن اللّه إذا قال للعبيد كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ احتجاجا عليهم فلهم أن يقولوا: حصل في حقّنا أسباب كثيرة موجبة للكفر، أولها قضاؤك النافذ الحتم.
و ثانيها قدرك اللازم. و ثالثها إرادتك. و رابعها خلقك الكفر فينا (في- ن) و خامسها خلقت فينا (في- ن) قدرة عليه. و سادسها إرادة موجبة له. و سابعها حركة متوجّهة إليه [١] و الايمان أيضا يتوقف على نظائر هذه الأسباب السبعة- و هي كلّها مفقودة- فقد حصل لعدم الايمان أربعة عشر سببا، كلّ منها مستقل بالمنع عن الايمان، فمع قيام هذه الأسباب الكثيرة كيف يعقل أن يقال: كيف تكفرون؟
و خامسها إنّه تعالى قال: كيف تكفرون باللّه الذي أنعم عليكم هذه النعم العظيمة مثل الحيوة و ما قبلها و ما بعدها؟ و على قول الجبريّة لا نعمة له عليهم، لأنّ كلّ ما فعله بهم كان لاستدراجهم و سوقهم إلى النار جبرا و قهرا.
و هذا كمن قدّم إلى رجل صحفة فالوذج مسموم، فإنّ ظاهره و إن كان لذيذا و يعدّ نعمة، لكن عند التحقيق لا يعدّ نعمة لكونه مهلكا، و معلوم إن العذاب الدائم
[١] الوجوه ستة في المصدر و المصنف يتصرف في نقلها فيشرح تارة و يلخص اخرى.