تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٥٠ - فصل«و يفسدون في الأرض»
للجزئيّات بالوهم و الخيال، و هذه النفوس نفوس بالفعل، عقول بالقوّة، فإذا خرجت من القوّة إلى الفعل صارت عقولا بالفعل بالروح الإضافي المنفوخ فيها من اللّه، و إنّما يخرج من القوّة النفسانيّة إلى الفعل الروحي الأمري بمزاولة أعمال دينيّة و تحصيل علوم حقيقيّة، و للإنسان بإزاء هاتين المنزلتين حياتان أخرويّتان:
إحداهما حيوة الذين يرزقون عند اللّه من الأرزاق المعنويّة العلميّة، فرحين بما آتاهم اللّه من فضله من الأنوار العقليّة الأبديّة.
و ثانيهما حيوة حيوانيّة يدرك بها إمّا نعيم السعداء ممّا تشتهيه الأنفس، او جحيم الأشقياء مما تتعذّب به النفوس الشقيّة، كما في قوله: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ* فَأَمَّا الَّذِينَ الآية [١١/ ١٠٥].
إذا ثبت هذا فنقول: إنّ الإنسان إذا صرف قواها في هذه الحيوة الدنيا التي هي حركة مّا جبلّية إلى النشأة الآخرة إلى غير ما خلقت لأجله- و هو تحصيل الروح الأمري الذي هو باق عند اللّه- ثمّ ضاعت عنه القوّة الاستعدادية التي كانت له بمنزلة رأس المال، و انقلبت صورة ذاته إلى أن صار الإنسان أضلّ من الأنعام و أنزل درجة من الحشرات و الديدان، فقد خسر ذاته و نفسه، فهذا هو الخسران المبين.
تفسير القرآن الكريم ؛ ج٢ ؛ ص٢٥١