تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٤١ - مسألة
قضاءه و قدره يوجبان ما يوجبان بتوسيط مقدمات و سوابق و أسباب و بواعث كلّها راجعة إليه أيضا.
و من جملة تلك الأسباب إرادة العبد و طاعته و ذكره و عبادته، فسوابق الطاعات و مقدمات العبادات من عبد يوجب له التقرّب إلى اللّه زلفى، و هذا التقرّب قرب معنويّ و دنوّ عقلي بحسب الشرف و الفضيلة الذاتيّة- لا بحسب الوضع و الرتبة المكانيّة- و أفراد البشر و إن كانت متساوية في الجسميّة و البشريّة لكنّها بعد انتقالاتها و حركاتها إلى الأعراض و تطويرها في الأطوار، و اكتسابها للخيرات و الشرور، و اقتنائها للفضائل و الرذائل تصير متخالفة الذوات و الصفات بحسب البواطن و القلوب.
فمن القلوب ما هو أبيض منير كالشمس، و منها ما هو أسود مظلم كالقير، فهل هذا التفاوت إلّا بأمور ذاتيّة مجعولة من اللّه، حاصلة من مواهبه و عطاياه؟ و ليست أفراد الإنسان متساوية فيها كما قال تعالى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [٣٩/ ٩].
فالنبوّة و إن لم تكن مكسوبة للعبد إلا انها فائضة من اللّه على قلب مطهّر بطهارة الأخلاق و الرياضات، منوّر بنور المعارف و الخيرات، كمن يكنس من جملة عبيد السلطان بيته من الأرجاس و الأخباث و الكثائف، و ينظفه بفنون التنظيفات، و يطيّبه بأنواع الطيب و البخورات الحسنة انتظارا لقدومه- بما لم يفعل سائر العبيد و الخدّام فليس من الحكمة و العدالة السلطانيّة أن لا ينزل في بيته و ينزل في بيت غيره- مع تساوي نسبة قدرة السلطان إلى الجميع.
فهكذا قلب النبي صلّى اللّه عليه و آله كان طاهرا كالسقف المرفوع من جميع الخبائث السفليّة النفسانيّة و الصفات البشريّة، منوّرا كالبيت المعمور بأنوار العلوم و الطاعات، فصار بيت اللّه مورد آيات بينات منه فيه مقام ابراهيم من التوحيد و سائر المقامات.
فأقبل أوّلا إلى أهل بيته صلّى اللّه عليه و آله فأمطر عليهم من سماء علمه أمطار العلوم، و أضاء قلوبهم بأضواء المعارف، فارتوى بالعلم و الهدى ظاهرهم و باطنهم، ثمّ أقبل على