تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٤٠ - مسألة
قلبه قصد إليه، فذاك القصد إن كان منه لزم التسلسل- و هو محال- و إن كان من اللّه فحينئذ يعود الجبر، و يلزمه كل ما أورده علينا، فيبطل كلّ ما ذكره.
و أقول- و من اللّه الهداية و العصمة-: إنّ هذا النحرير بطول عمره في البحث و التحرير لم يفرّق بعد بين ما هو مذهب الأشعري و أتباعه، و ما هو مذهب القائلين بالعلّة و المعلول، و «إنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد» و «إن ترجيح أحد المتساويين محال إلّا لداع» و «إن الممكن من حيث إمكانه يستحيل وجوده و لا عدمه إلّا بسبب».
و ذلك لأن بناء هذا الإلزام من إبطال التحدّي على رأي أصحابه- النافين للأسباب و العلل- من جهة إن نسبة المتحدّي و غير المتحدّي إلى المتحدّى به واحدة و ليس- و لا واحد منهما- مما له مدخل في وجود ذلك الأمر بوجه من وجوه المدخليّة- ككونه فاعلا او غاية او شرطا او معدّا او غير ذلك من الأسباب و الشروط- فلا معنى للتحدّي بأمر غير مختصّ بواحد دون واحد.
و أمّا إذا كان ورود الفضائل و الكمالات و فيضان العلوم و الخيرات من اللّه على بعض النفوس و الذوات دون بعض من جهة أعماله السابقة المقرّبة، و نيّاته المتقدّمة و المهيّئة، و فكره و ذكره و طاعته و عبادته، فلا يرد ذلك أصلا، لأن تلك السوابق مخصّصات للعبد باستحقاق منقبة خاصّة.
و تلك السوابق و إن كانت كلّها أيضا واردة عليه من قبل اللّه و رحمته- لا منبعثة من ذات العبد- إلا أنّها تقرّبه و تزلفه إلى اللّه و تخصّصه لقبول العناية الإلهيّة، فيصحّ لأحد على هذا الوجه دعوى النبوّة و إثباتها بالتحدّي بفضيلة زائدة على فضائل سائر الناس، و منقبة فائقة على مناقبهم خارجة عن حدّ طاقتهم و وسع قوّتهم و قدرتهم.
و لا يمكن حينئذ لأحد إبطال قوله بأنّ هذا المتحدّى به ليس فعلك- بل من فعل اللّه- فأيّ اختصاص له بك؟ و أيّ منقبة حصلت لك منه دون أقرانك و أمثالك؟
لأنّ له أن يقول: إنّ جميع الأمور و إن كانت حاصلة بقضاء اللّه و تقديره، إلّا أنّ