تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٣٩ - مسألة
حضركم أو تصوّرتم معونته من إنسكم و جنّكم و أعوانكم و أنصاركم و آلهتكم غير اللّه، فإنّه لا يقدر أحد مما سوى اللّه أن يأتي بمثله.
و ثانيهما: ادعوا من دون اللّه شهداء يشهدون لكم بأنّ ما أتيتم على مثله، و لا تستشهدوا باللّه، فإنّ من ديدن المبهوت العاجز و هجيّره أن يقول: «اللّه يشهد أني لصادق» و هذا تعجيز لهم و بيان لانقطاعهم عن البحث إلّا بمثل هذا القول.
مسألة:
اعلم إنّ هذا التحدي يبطل مذهب الجبر- كما ذكره القاضي [١]- لأنّه مبني على تعذّر مثله ممّن يصح وقوع الفعل منه، فمن ينفي كون العبد فاعلا أصلا لم يمكنه إثبات التحدّي أصلا، و يلزم منه إبطال الاستدلال بالمعجزات لأنّ تعذّر وقوعها عن الغير يكون لفقد القدرة، و يستوي في ذلك ما يكون معجزا و ما لا يكون.
و أيضا- فإذا كانت الأفعال كلّها من اللّه فكلّ ما ينسب إلى العبد من التحدّي يرجع في التحقيق إلى أنّ اللّه متحدّ لنفسه، و هو قادر على الإتيان بمثله من غير شكّ، فيجب أن لا يثبت الإعجاز على هذا القول.
و أيضا- إنّ الرسول صلّى اللّه عليه و آله كان يحتجّ بأنّ اللّه قد خصّه بالقرآن تصديقا له في دعوى الرسالة، فلو لم يكن من قبله تعالى لم يكن داخلا في الإعجاز، و على القول لم يبق فرق بين المعتاد و غيره، لأنّ الكلّ لا يكون إلّا من عند اللّه.
هذا هو المذكور في هذا المقام، و هو حجّة قويّة الإلزام، و أجاب عنه صاحب الكبير [٢] بقوله: «إنّ المطلوب من التحدّي [إما] أن يأتي الخصم بالمتحدّى به قصدا، أو أن يقع ذلك منه اتّفاقا؛ و الثاني باطل- لأن الاتّفاقيّات لا تكون في وسعه، و على الأول إتيانه بالمتحدّى به موقوف على أن يحصل في
[١] القاضي عبد الجبار من أكابر المعتزلة توفى ٤١٥ ه.
[٢] تفسير الفخر الرازي: ١/ ٣٣٨.